نزيل “الفُرن” الظريف محمد المصري

بين سجن أحمد عبدالغفور عطَّار و منفاه كانت هذه الحكاية الطريفة للسجين محمد المصري الذي مهما فكَّرت و قدرت وتأملت و نظرت فلن تتوصل إلى جرمه المشهود الذي سُجن من أجله.

المكان هو سجن “الفرن” بمكة، و قد كان هذا السجن تنوراً للدولة العثمانية يخبزون في خبز الجند، ثم تحول هذا الفرن الحكومي في العهد السعودي إلى سجن، و “الفرن” مكون من غرفتين بينهما فناء به ممر ينتهي بقليب حلو الماء مرفود من عين زبيدة زوج هارون الرشيد تسقي منها أهل مكة و حجاج بيت الله الحرام، وهناك كذلك سجن “المحروق” وهو قصر للشريف حسين احترق فسمي محروقاً ومن ثَمَّ سجناً. تحولت كل تلك إلى سجون. فكنا جمعنا بهذا حضارتين (عباسية وعثمانية) في سجن!

ويصف سجن الفرن بأنه سجن كئيب مظلم، ما زال يحتفظ بحرارة التنور بعد كل تلك السنين!. كان فرناً على أيةِ حال.

ويذكر أحمد عبدالغفور عطَّار الذي كان يكتب بأسماء متعددة في الصحافة منها “الجاحظ” على سبيل المثال كما ذكر ذلك محمد القشعمي في كتابه (الأسماء المستعارة للكتاب السعوديين)، والذي ذكر فيه أسماء كُتَّاب كثر في صحافتنا كانوا يكتبون بأسماء مستعارة، و بعضهم هاجم من سماهم (الجبناء أشباح الانترنت). ممن ذكرهم القشعمي “تركي السديري باسم أبي هند” و “عبده خال وأحد أسمائه فيفي عبده” وغيرهم كثير، وبعضهم لم يكتف بالتخفي، بل التخفي باسم مؤنث!

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ### عار عليك إذا فعلت عظيم

على كل حال فقد سطَّر أحمد عبدالغفور عطَّار أسطراً لم يدر في خلده أننا سنبحث عمن يقولها اليوم فلا نجد من يهمس بها مجرد همس! مات رحمه الله ولم يرَ -أبداً- ما حصل في كارثة جدة كمثال لا الحصر. يقول: ( ولو كانت الأمور في الدنيا تسير على منهج الحق لكان كثير ممن يقضون في مصائر الناس أجدر بالسجن من آلاف السجناء الذين أدخلهم غباؤهم أو فقرهم أو هبوط مركزهم الاجتماعي السجن. ويعلم الله أنني أعرف أناساً يشغلون مناصب رفيعة أو أناساً يقعدون في ذروة المجتمع وهم غرقى الموبقات والإجرام!! )

 دعونا من كل هذا ولنأتِ إلى ما نحن بصدده؛ ألا وهو السجين الظريف محمد المصري، سأدع قلمي يتوقف لأفتح المجال لصاحب المشهد يرسمه بنفسه. يقول:

 (فلما دخل السجن محمد المصري وأخذ يقص القصص ويقلد الممثلين استطاع أن يحمل الشاب المَدَني على الضحك. ولَشَد ما أسعدني أن يضحك هذا الشاب البائس الذي ترك في مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم أمه و أخته، فهو يذكرهما في أسى ووجوم، ولا يكاد يتكلم، و كأنه تمثال للأسى الذي يَحْطِم النفس حَطماً.

وحوَّل محمد المصري سجن الفرن إلى مسرح غارق في المرح و الضحك و السرور. وأمضى محمد المصري معنا بضعة أيام لم نفتر من الضحك؛ و نسينا أنفسنا و واقعنا، وذات صباح أطلَّ مدير السجن من الخوخة و نادى المصري وأمره أن يرتدي ملابسه لمغادرة السجن في هذه الدقيقة فقد صدر الأمر بالإفراج عنه.

وكل سجين لا يكاد يسمع نبأ الإفراج عنه إلا من الفرح إلا محمد المصري فقد استقبل نبأ الإفراج عنه بانقباض وسخط , فقد بدأ في قصة يمثلها , وجاء الإفراج عنه وهو في أول القصة ,فأبي أن يخرج حتى اضطر مدير السجن إلى إخراجه بالقوة إذا لم يمتثل لأمره , فقال في غضب: ” أدخلتموني السجن على غير رضا مني , وها أنتم أولاء تخرجونني على غير رضا مني أيضا , دعوني حتى أكمل القصة ثم أرتدي ملابسي وألم فراشي “, فأبى مدير السجن وقال له : ” لا تضيع وقتي , أسرع بارتداء ملابسك لتغادر السجن إلى غير رجعة “, فرد عليه ” فال الله ولا فالك !”  وأخذنا نضحك.

وأخذ يلبس ملابسه وهو مستمر في قصته والسجناء يحيطون به , فإذا مشى مشوا وراءه وإذا وقف وقفوا , وكان يتثاقل في ارتداء ملابسه وجمع حاجاته حتى انتهى من ذلك وليس من قصته , فقد بقي منها كثير , ومشوا معه إلى باب السجن , فتذكر أمراً وأفلت من يد السجّان وجرى بسرعة , وقفز خلفه مدير السجن , وإذا المصري يقصدني فيمسك به السجان , فيقول له : ” يا راجل  , خليني أودع العم أحمد ” وودعني وتمنى لي الإفراج , وقال :” لو قبلوا الفداء لرضيت بأن أبقى مكانك وتخرج أنت “, فشكرته وكان صادقا.

وفتح باب الفرن وطرد منه محمد المصري شر طردة من قبل مدير السجن, وأغلق الباب وخرج محمد المصري , وبعد دقيقة أو دقيقتين عاد وأطل من الخوخة فتسابق السجناء إليه وقال لهم :  ” اسمعوا جئت لأعدكم بأن أعود إليكم غدا إن شاء الله لأقص عليكم بقية القصة “

ولعل القارئ يسأل عن جريمة محمد المصري التي أدخلته الفرن، فأجيبه: إنه كان يعمل لدى أحد الأمراء مهرِّجاً ومضحكاً، فأفزع بعض أطفاله الصغار ببعض تمثيلياته، فأمر بسجنه، و بعد يوم أو يومين أمر بالإفراج عنه فأطلق سراحه.

وسُرَّ به الأمير، واستأذنه في اليوم الثاني أن يزور السجن ليكمل لزملائه بقية قصته التي بدأها، فجاء أمر الإفراج فلم يَسمح له مدير السجن، و يود أن ينجز وعده، فأذن له سموّ الأمير وهو يضحك.

  وفوجئت في صباح اليوم الثاني بتسابق السجناء إلى باب  السجن جرياً ووثباً وطَفْراً وهم يهتفون: محمد المصري، فقد رأوه من الخوخة إذ أدخل منها رأسه وحده وسائر جسده في خارجه وأخذ يكمل القصة ، وسجناء يسمعون و يقهقهون ، و لم يستطع محمد المصري أداء القصة كاملة كما يريد، لأن قصَّها وتمثيلها يقتضيان حركات من يديه ورجليه وسائر جسده الذي بقي خارج باب السجن إلا رأسه المطل وحده، ومع ذلك سعد السجناء، و ذكَّرنا منظره بمنظر الحاوي الذي كنا نراه في عيد الفطر ونحن أطفال وهو يمثل ” رأس بلا جِتَّه” أي “رأس بلا جثة”.

وكنت أنا على الدكة قريباً من الباب أسمع و أرى، وبعد أن أخذ ساعة من إكمال قصته ودَّعنا جميعاً بصوته الجهوري، ودعا لزملائه جميعا بأن يطلق الله سراحهم، وأن يميت مدير السجن و عسكره جوعاً، لان رزقهم يأتيهم بسبب السجناء، ولو خلا منهم الفرن لماتوا جوعاً .) أ.هـ ص 91،93 .

انتهى أحمد عبدالغفور عطَّار، و انتهت معه قصة محمد المصري، وأنا كذلك سأضع نقطة الختام من دون أي تعليق مني . أي تعليق! حتى و لو كان عن سبب سجن “المصري” أو نكتة “المصريين” أو ما سبق ذلك مما ليس له تعلق بقصة المصري.

قلت لن أعلق أبداً.

( نقطة )

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s