عبر الأزمان: مسيلمة في كل مكان!!*

(والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل )،(والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس)

هذه المقطوعة هي من إبداعات مسيلمة (الكذّاب) مُدِّعي النبوة، قالها يعارض بها قرآن محمد صلى الله عليه و سلم – كما يزعم!-، و العجيب أنه تمخض عنها في وقت بلغت فيها العربية أوجَ تألقها وقمة فصاحتها، فكان – في ذلك الوقت – من أوهى ما قالته العرب و أرداه ، بل لم يُعبأ به و لم يُلقَ له بال. تبدأ قصة هذا الدَعِي حينما أراد الخلافة أو النبوة أو الإمارة – لا مشاحّةَ في الاصطلاح  – بعد رسولنا محمد -صلى الله عليه و سلم- فلما لم يُمَكّن من ذلك أدعى – هو – النبوة و دعا المغفلين لمبايعته و الإيمان به، و كان لا بد له من معجزة يباهي بها، فعمد إلى معجزة محمد -صلى الله عليه و سلم- ، فحاول مضاهاتها بساقطٍ من القول و رديئه؛ فزعم  أنه  – كما أن الرسول -صلى الله عليه و سلم-  يملك قرآنا – فهو يملك كذلك أضحوكة أسماها قرآناً. و كان أن التقى بعمرو بن العاص رضي الله عنه أيام جاهليته فسأله ماذا أُنزل على صاحبكم في هذا الحين ؟ فقال له عمرو: لقد أُنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي ؟ قال: أنزل عليه:

( وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ) سورة العصر . قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هي ؟ فقال مسيلمة: “يا وبر يا وبر، إنما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نقر”. ثم قال: كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو رضي الله عنه – و هو الجاهلي المشرك في ذلك الوقت – : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب!!

مسيلمة ليس له وجه واحد قُتل يوم اليمامة ، بل إن من إعجاز القرآن أن يأتي مسيلمة في كل مكان و زمان ، فكل من ادعى أن له قرآناً يشابه به كلام الله الذي أنزله على محمد -صلى الله عليه و سلم-  فهو مسيلمة الكذاب و إن لم يشهد وقعة اليمامة -مجازاً على الأقل لمن يحبذ الحرفيات!-، و لعل من الطرائف التي تروى أن أحدهم في زمننا المعاصر أدعى النبوة، فكان أن أخذه من العُجب و تصديق الذات حداً لا يطاق، فأتصل عليه متصلٌ بالخطأ فرد عليه : معك فلان رسول الله ! من معي ؟ فرد عليه المتصل ساخراً: معك جبريل على الخط !

****

يقول:

(وما كان لكم أن تجادلوا عبادنا المؤمنين في إيمانهم وتكفروهم بكفركم فسواء تجلينا واحدا أو ثلاثة أو تسعة وتسعين فلا تقولوا ما ليس لكم به من علم وإنا أعلم من ضل عن السبيل)

هذه الكارثة – اللغوية و المعنوية ! – الأخرى، هي من أحدث إصدار – بعد مصحف مسيلمة – و هو فرقان الحق – و هو قرآن أمريكي – ألفه نصراني! الطريف في الموضوع أنه يُوزع على بعض المسلمين حتى يصرفوهم عن قرآنهم الذي أنزله الله سبحانه على محمد -صلى الله عليه و سلم-  .

من أبرز صور الإعجاز القرآني أن أصحاب الدعاوى يفتقدون إلى معجزة كالقرآن تدعم موقفهم المتهاوي أصلاً ، فتراهم يؤكدون عَظَمَة القرآن من حيث لا يشعرون بمضاهاته – مثلاً – فيكونون بذلك أضحوكة الدهر، يتسامر بها الناس في مجالسهم و منتدياتهم ، التي مهما بَحَثَتْ فلن تجد أفضل من هذه النادرة لتمضي به وقت فراغها.

ومما يَلحظه المتابع لمسيرة كثيرٍ من الفِرَق و الأفكار يجد أن التعرض للقرآن بالمضاهاة تارة – و هو ما تأكدوا فشله و سخفه – أو التشكيك فيه – و هو الصورة الحالية لمسيلمة العصر – و بينهما ما أدعاه أصحاب الفِرَق الباطنية من أن للقرآن ظهر و بطن، و الباطن إنما هو من علم الخاصة الذي لا يُفصح عنه للعامة، و قد أثمرت هذه الطريقة الذكية في كسب فِئآم من المؤيدين ممن أعمتهم فكرةٌ مبهرجة، و حبٌ لآل البيت مصطنع ! وبهذه الطريقة جردوا القرآن من مضمونه و أصبح لا وجود له (حقيقي) في حياة الناس، و تقبل الناس هذه الفكرة لأن المُصدر لها – الذكي – لم يتعرض للقرآن بالقدح ، و لكنه قال: بأن للقرآن معانٍ خاصة و له بطن لا يعلمه إلا أنا ، فأصبح المعنى هو ما يلقيه عليهم لا ما تدل عليه آيُ القرآن !

و العجيب في الموضوع أن بعض أولئك أدعى النبوة و لكنه لم يأت بقرآن من كيسه، و إنما أخبر عن معانٍ خفية و روحانيات غيبية لا يعلمها إلا هو ! فصدقه الناس!  إذ أنه لم يتعرض لذات القرآن. فتأمل هذا الإعجاز : أن الناس لا يقبلون أبداً من يتعرض لقرآنهم !

****

مسيلمةٌ آخر -وهو الأظهر و الأبرز في هذا الزمان- يتعرض للقرآن بتأويله كما يشاء باسم نسبية الفهم أو نسبية الحق، أنت تفهم كما تريد و أنا أفهم كما أريد و ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ! ) و (النصيون) الذين يرددون ما يحفظون، و حرية الفهم و التعبير ، ولنجعل القرآن صالحاً للزمان و المكان ، و أننا غير (متعبدين) بفهم (الأقدمين!) – الذين هم السلف و الذين لا يجوز أن يُفسر القرآن بأي تفسير لم يسبقونا إليه كما قرّر ذلك أهل العلم رحمهم الله – فإذا تجاوزوا هذه العقبة جردوا القرآن من مضمونه كما جرّده الباطنية تماماً، اختلف الاسم و الفعل واحد!!.

ولهؤلاء: إذا كان السلف و الخلف و دلائل الكتاب و السنة ومضامينهما لا تتسق مع فكركم و تصادم مشروعكم، فأنتم عنها نشاز إلا بالتحريف و التأويل، فما لكم و لها؟! و عن أي شيء تبحثون في كتاب ربنا؟ أعجزتم عن شيءٍ هو من عند أنفسكم؟!

عن نفسي: أقر أنني عجزت أن افهم لم يُبطل هؤلاء دلالة الكتاب و السنة، و يدعون للتبرؤ من تراث سلف الأمة، و إذا أردوا أن يقرروا مذهبهم هبوا إلى ما قوضوه فادعوا أنهم أقاموه بمعوج القول و سقيمه، ثم اقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لا يعارضون الآية والدلالة، و أن سلف الأمة لهم برهان وعلامة، و أن خطونا -نستغفر الله – لا يتقدم خطوهم بمقدار أنملة!!

ومن أطرف وأغرب ما سمعت -وهو مثال متطرف- أن أحدهم أنكر قطع يد السارق، و قال: أن هذا لا يتعارض مع الإسلام، ولا مع القرآن!! بل هو ما يدل عليه الكتاب و السنة!!!

ارفع يدي استسلاماً !! لم أفهم كيف هو هذا التناقض.

****

ثم موضة معاصرة بدأت تطل برأسها لمسيلمة هذا الزمان، ألا وهي التشكيك في النص القرآني ذاته، هل هو محفوظٌ من الزيادة و النقصان أم لا ؟ و هل هناك احتمال – و لو ضئيل جدا! – لهذه الفرضية؟. و هل هذه المسألة ممكنة عقلاُ؟! دعونا نتناقش! نحن لا نقرر رأياً، هو حوار علمي، ونقاش فلسفي ليس إلا..!. حتى ولو كان الله يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا). حتى ولو .. دعونا ننظر ، و نبحث ..

ويله !! كيف اجترأ ؟!! ويل القلم!! كيف أطاعة وكتب؟!

ويل الأثيم!! ويله من هذا التهديد و الوعيد..

 و يقفز مسيلمة – هذا! – ببهلوانية وغباء يُحسد عليه على النَسخ فيسميه إسقاطاً لبعض الآيات!و أن الصحابة أسقطوها!! نسي أو تناسى قوله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). البقرة: 106. و الله يؤكد فيقول: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر: 9. حتى ولو ..!!

ومما يندى له الجبين أن يقينيات عند البعض بدأت في التأرجح، و ما ذاك إلا لما عُرِضت على العقول تأخذ منها و ترد، و الكل يؤكد أنه يناقش و يبحث، وأنه بين طلبة علم. ومعاذ الله أن يكون هذا رأي ارتآه.! ألا ترى أن الله سبحانه أثبت قول إبليس وفرعون في كتابه العزيز؟! وأين هذا الإثبات من ذاك.؟!

ذاك الإثبات كان بــِ (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) ) مريم: 88 – 92.

يا الله !! سموات و أرض و جبال!! تخر !! تهد!! تنشق!! تتفطر !! وهؤلاء يقولون تعالوا بنا نناقش إمكانية التشكيك في تلك اليقينيات ؟!

 ما درى المسكين أن تلك القدسية لتلك اليقينيات و الغيبيات لم تعد في مستقرها الذي كانت تستقر فيه، بل بدأت تتدحرج عنه ببطء شديد قد لا يتفطن له في حينه. و أن الله قد هان في قلبه ولو شعرة ! و لو أخف من مثقال الذرة!

أبهذا الدم البارد يتم تناول أو هدم اليقينيات و الغيبيات؟! ربنا ثبتنا على الدين و أمتنا مؤمنين غير خزايا و لا مفتونين.

أقول سيبقى مسيلمة الماضي و الحاضر يدور في فلك القرآن لا يستطيع الفكاك منه و لا التخلص منه؛ سيبقى شاهداً بذلك على إعجاز القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه ، سيبقى مسيلمة شاهداً على أن الأفكار مهما عَظُمَت فإنها لا بد أن تلجأ إلى كتاب الله سبحانه ، إما بإبطال الكتاب الذي يبطلها أو بإعادة تأويله بما يوافقها، سيبقى مسيلمة شاهداً على أن كل من عارض القرآن أو عبث به و إن فُتِنَ به البعض – كما فُتِنوا بمسيلمة الأب تماماً – فإن مصيرهم إلى بوار، و لقد سجل التاريخ دَنَس من أراد تدنّيس زمزم و لم يسجل اسم ذلك المدَنِّسَ! دَنَسُه فقط!!

ستُمحى أسمائهم ،  وستبقى شرور فِعالهم شاهدة على إعجاز القرآن العظيم…. وعلى خلود هذا الدين الخالد، الذي لن يرفع من هذه الأرض إلا بأمر من الله سبحانه!

مات مسيلمة ، و بَقِي فعله يتندر به المتسامرون!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر المقال في “رؤى فكرية”

http://www.roaa.ws/1057/1959/1352/2046.aspx

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s