قواعد في الفتوى و تلقيها…..

فإن الله لا ينتزع العلم بنزع الكتب و إنما ينتزعه بموت العلماء فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوسا جُهالاً فأفتوا فضلوا و أضلوا..

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا ، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ » . فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِى انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَثْبِتْ لِى مِنْهُ الَّذِى حَدَّثْتَنِى عَنْهُ . فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِى بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِى ، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو” رواه البخاري

و للعلم و الفتوى شأن عظيم في الإسلام، و كانت الفتوى من أعظم ما يتهرب منه العلماء و على رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم فقد كانوا يتدافعونها ويود كل واحد منهم أن صاحبه قد كفاه. و كان العالم يجلس في مجلس الدرس يعلم الناس العلم ، فإذا أتت الفتوى بحث له عن مخرج و مهرب وبحث عمن يكفيه مئونتها، و كان البعض يُعلِّم و لا يفتي. لعظم الفتوى؛ فهي توقيع عن الله و عن رسوله و الله يقول:

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء: ٣٦

فقد كان العلماء – على علمهم و خشيتهم ودقتهم وتحريهم- يخشون أن يخطئوا فيدخلوا في هذا الوعيد الشديد، و أُثر عن كثير من السلف رحمهم الله كلام كثير حول هذا المعنى و خطورته ، فمن ذلك ما رُوي عن عبدالله ابن مسعود قوله: ينبغي على المفتي أن يتخيل حال فتياه مقعده بين الجنة و النار، و أن فتواه تدنيه من أحدهما.

و لأنه لابد للعلماء من أن يتصدروا للناس ويفتوهم ويعلموهم، وكان المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران و إذا أخطأ فله أجر واحد. لهذا وضع أهل العلم قواعد مرعية، وأصولاً يجب على العالم اقتفائها حال إفتائه، و بهذه القواعد التي توارثها العلماء جيلاً بعد جيل، و التي استقر عليها العلم يتبين العالم الحق و الدخيل على ذلك العلم من المتطفلِ عليه.

و أود التنويه أن كل ما أنقله لدي فيه نقول كثيرة عن أهل العلم، و أدلة متضافرة، وهو رأي جماهير أهل العلم على مر العصور، و زيادة في التأكيد و التوثيق فإني أشير إلى بعض الكتب التي استقيت منها هذه القواعد و الأصول لمن أراد الزيادة ، فمنها :الموافقات للإمام الشاطبي، إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، روضة الناظر و جنة المناظر لابن قدامة و غير ذلك. و ما سأذكره رؤوس أقلام و يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق:

1. يقول البعض: إن العبرة بالدليل لا بالرجال وكثرتهم، و لا عبرة بالقائل إذا خالف الكتاب و السنة، و أنه لا كرامة لأي رأي خالف الكتاب و السنة!

وهذا القول ظاهرة فيه الرحمة و باطنه من قِبله العذاب، ظاهرة الغَيرة على النص و الانتصار له وباطنه انتقاص النص و إذهاب هيبته، و هؤلاء لما عجزوا عن العلماء أن يوافقوا أهوائهم طالبوا بإقصائهم و إبعادهم عن النصوص الشرعية حتى يخدعوا بها الناس!! لأن الناس – لتدينهم الفطري – يطلبون النص، فإذا رأوا من ينادي – كما يقولون- بإرجاع هيبة النصوص، ونفي العصمة عن الرجال قد يصدقونهم.

و الجواب عن هذه الشبهة التي يكثر طرحها يكون من خلال حديث رسول الله :

فعن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري فيما رواه الإمام أحمد: ” سيحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين… “

فمن أبرز مهام العلماء الذب عن النصوص الشرعية وبيان دلالتها ومعناها، و حفظها من تحريف المحرفين، وتصويب دلالتها عن فهوم القاصرين… و تلك أجل مهمة للعالم، أن يضع النص الشرعي في موضعه الذي وضعه الله له، و أن يحفظ له دلالته التي من أجلها أُنزل النص… و كم من نص شرعي حُرفت دلالته و أبطلت من أجل قصور الفهم، و عدم استيعاب النص.

و كم من عائب قولاً صحيحاً *** و آفته من الفهم السقيم

ثم ألا ترى بأن الله يقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) آل عمران: ٧

فبين الله أن هناك آيات محكمات و أن هناك متشابهات، فالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون المتشابه الملتبس، ثم بين أن من يعلم المتشابه و يرده هم الراسخون في العلم، و لم يطلب الله من الناس حال الالتباس الرجوع إلى النص، وذلك لأن الناس قد يعجزوا عن فهم النص و بينما لا يخلوا عصر من عالم يدرك معنى النص.

ويقول الله : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) الأنبياء: ٧

فأمر بالرجوع إلى أهل الذكر و لم يأمر بالرجوع إلى الدليل و النص، لأن هذه مهمة الخاصة، ومهمة من وَرث وِرث الأنبياء … ألا وهو العلم، فمن أخذه أخذ بحق وافر.

ويقول : ” أقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر” و لما سألته المرأة : فإن لم أجدك.؟ قال : أذهبي إلى أبي بكر، فإن لم تجديه فعمر.

فقيد الرسول الفتوى بالرجال، بالعلماء ، و ليس بالنصوص، و العلم حينما يرفع… يرفع بقبض العلماء و ليس برفع الكتب.

2. التشديد على الأخذ من العلماء و أنهم هم أفهم الناس بالنصوص، لا يعني إلقاء النصوص خلف ظهورنا، و رفع البشر فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، كلا … و إنما المراد كف يد العابثين بنصوص الوحيين، و أن الدعوى لقفز العلماء و تجاوزهم إلى النصوص دعوى باطلة وذلك أن فهم العلماء على مر العصور يجب أن يكون متوافقا لا متعارضا، و تبقى أن هناك أمور محل للاجتهاد يحددها أهل العلم العارفين، و أن يكون ذلك الفهم لا يتعارض مع نصوص أُخر أو مع اللغة العربية، فإذا اختل أحد شروط الاستدلال رُد هذا الفهم، و لا يصح الاستدلال به.

3. أن مجموع علماء الأمة معصومين من الخطأ و الزلل كما قرر ذلك أهل، و لا يمكن أن يتفق العلماء على مر العصور على الخطأ في فهم نص، لأن الأمة لا يمكن أن تخلوا من فقيه ناصح مبين للحق.

4. أن الخلاف المعتد به عند أهل العلم هو ما كان في القرون المفضلة – الثلاثة الأولى- و لذلك لما ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية القول الحادث بجواز الغناء قال : و لا يعرف قائل بهذا القول في القرون الثلاثة الأولى! إذ أول من قال بهذا القول هو في القرن الخامس الهجري، و لهذا يعتبر الخلاف في هذه المسألة غير مقبول أصلاً عند أهل العلم.

و اتفق جماهير أهل العلم أنه لا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة لم يقل أهل القرون الثلاثة المفضلة، وذلك أن اتفاقهم على قولين هو إجماع لهم أنه لا يوجد في المسألة إلا قولان فقط.

5. أن الحق دائما مع السواد الأكثر من العلماء و ليس مع القلة ، فضلا عن أن يكون الحق مع من شذ من أهل العلم، فيجب عليك أن تنظر إلى السواد الأعظم و إلى العلماء الأبرز وتتبعهم و تقتفي أثرهم.

6. أعلم أن العلم لا يتغير ، و أن الدين لا يتبدل، و لا بد أن يكون لقول علماء أي عصر ما يؤيده من العصر الذي قبله.

7. يُشيع البعض بأن الخلاف رحمه ، و هذا خطأ محض، و تلك المقولة لا محل لها من النظر عند التحقيق… يقول الشاطبي رحمه الله فيمن يقول : ( “لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما فى الدين من حرج” وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة)

وذلك لأن الحق عند الله سبحانه واحد لا يتعدد، و قد يختلف الناس في التوصل إليه، و لكن لا يمكن أن يكون في المسألة قولان: أحدهما مبيح و الآخر محرم! فإن هذا من التناقض الذي عصمت منه الشريعة، و لو تأمل المرء في المسألة لوجد أن عقله يرد هذا الأمر.

8. يظن البعض أنه إذا كان في المسألة خلاف بين أهل العلم، فهو مخير بين هذه الآراء، و هذا خطأ و لا يقول به أحد من أهل العلم ، و أنت محاسب على اختيارك، و لا يجوز لك الاختيار بالتشهي، بل يجب عليك اختيار قولٍ واحد تلزمه. يقول الشاطبي ” ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف، كما يُخير في خصال الكفارة، فيتبع هواه و ما يوافق غرضه “

يقول ابن القيم: ” لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة بل عليه أن يبين بيانا مزيلا للإشكال متضمنا لفصل الخطاب كافيا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره “

9. يظن البعض أنه بإتباعه أحد العلماء فقد برئت ذمته أمام الله سبحانه، و الحق في هذه المسألة أنك مكلف بالاجتهاد كما العالم مكلف، و اجتهادك أن تختار من العلماء أعلمهم و أورعهم، وكما أن العالم مطلوب منه أن يرجح بين الدليلين فأنت مطلوب منك أن ترجح بين العالمين، فالعالمين لك بمثابة الدليلين يجب الترجيح بينهما.

هذه بعض القواعد التي ذكرها أهل العلم، و هذه القواعد و غيرها يلزم العالم مراعاتها حال فتواه، و لو لم يراعيها لما قبل أهل العلم فتواه و اعتبروا تلك الفتوى شاذة لا يجوز الأخذ بها، و ذلك لأنها خالفت هذه الأصول، و بعض أهل العلم الكبار يرد الفتوى و الرأي دون النظر لأدلة القائل لمجرد أنه خالف بعض الأصول ، و يعلم أن هذا القول شاذ باطل لأن فيه خللاً منهجيا لا يمكن أن يستقيم به القول، أو لأن القول يخالف مقاصد الدين فلا يمكن أن يكون من الدين، و كان شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله يرد الحديث و يحكم عليه بالوضع أو الضعف دون أن ينظر في إسناده، فإذا تتبعه الطلبة وجدوا أن الأمر كما قال و ذلك لتمرسه و تكراره النظر في الأحاديث و الأدلة ومعرفة بلغات العرب و لهجاتها و لمخالفة تلك النصوص المنسوبة لرسول الأصول الموضوعة لهذا، و كان يحكم على القول بالضعف و الشذوذ دون أن ينظر في أدلته و ذلك لنفس العلة كما تقدم في مسألة الغناء و ذلك أنه لا قائل لهذا القول من القرون الثلاثة المفضلة فإذا أُلجأ نقض أدلة القول و أتى بأدلة أخرى أقوى مما أتى به صاحب القول ثم نقضها و رد عليها جميعا فرحمه الله رحمة واسعة. و تلك منزلة علية ليس من السهولة الوصول إليها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s