تطواف حول حركة التحرير

طافت حركة تحرير المرأة أرجاء العالم الإسلامي وتريد أن يستقر بها المقام عندنا، وكانت بدعم مفضوح وبَيّن من المستعمر، و كان الهدف صبغ الأسرة المسلمة بصبغة علمانية من أهم سماتها تفكيك منظومة الأسرة، وإلغاء القوامة، وتكريس الفردية، والمساواة بين الرجل والمرأة، كما أن هناك مطلبا ملحاً ألا وهو خروج المرأة من بيتها وتطبيع علاقتها مع الرجال. وظهر للسطح بشكل لا يمكن إخفائه؛ نزع حجاب المرأة المسلمة!

واستطاعت حركة تحرير المرأة علمنة بعض السلوك لدى المرأة “الشعار المرفوع” بينما المراد كيان الأسرة المسلمة، فأحدثت فجوة كبيرة بين عمل القلب والجوارح.

وكانت الأسرة تارة تقبل بعلمنة السلوك وتارة تمانع، ولكن بقيت الأنظمة والقوانين لم يُتجرأ عليها، وبالرغم من أن علمنة السلوك ظاهرة إلا أن إحداث أي تغيير في القانون يثير الشارع وينبهه لتلك الحركة التغريبية التي قد ينتبه لها تارة ويغفل عنها أخرى.

 بدأت حركة تحرير المرأة في مصر عام ١٩٠٩م. أعلنوا تحريرها بخلعها لنقابها من ذلك الوقت. ولكن بقيت الأنظمة لم تمس

إلا في عهد السادات، والتي حركت الملف جيهان السادات التي سُميت فيما بعد سيدة مصر الأولى، وأحدثت التغييرات التي أجرتها ردود فعل قوية اضطرت بسببها لإعداد أكثر من نسخة معدلة لقانون الأحوال الشخصية.

 و مع ذلك رفض المجتمع تغيير نظام الأحوال الشخصية. ولكن في النهاية غُيَّر ذلك النظام وأصبح نظاما علمانيا،وهكذا أغلب البلدان الإسلامية.

 وكان هناك من يعزز تلك العلمنة السلوكية بترديده “احسنوا الظن” و “الإيمان في القلب” وكان هناك من يحث المرأة المسلمة بأن تكون مؤمنة بـ ” قلبها فقط.!”

****

 من مظاهر تطرق علمنة السلوك – حتى إلى خطاب الإسلاميين هنا- عدم طرح مسألة التبرج مثلاً، فقد أصبحت مسألة هامشية ونحو ذلك.

 ومن أخطاء الإسلاميين كذلك الإنشغال بالصراع الفكري وإهمال الحديث الدعوي للفئة المستهدفة التي أصبحت كلأ مباحا وحِمى مستباحا للشهوة الجاذبة بعد أن افتقدت الخطاب الإيماني الدافع. وهذه الجزئية بالذات قد تنجر على جميع قضايانا الفكرية، لابد أن يكون لكل خطاب خطابان؛ خطاب حجة وخطاب وعظ ودعوة. أما صراعات النُخب فقد لا يُعنى بها الأغلب.

والمتأمل يلحظ أنه بقصد أو بدون قصد، هناك من يحاول جرَّ الخطاب “الدعوي”  لـ  “الفكري”، ويخاصم الدعوي مخاصمته للفكري. وذلك لما عرف عن الدعوي الترخص في الإطلاقات والألفاظ بخلاف الخطاب الشرعي والفكري الذي يتميز برصانته ودقة ألفاظه.

وأما حركات التحرير المزعومة فإنها لا تَينع إلا تحت ظلال الأجنبي، وترخص الشرعي. والممانعة غالبا تضعف بعد كسر الحصار المفروض على الشعار المرفوع، والحملة تندحر في حال سقوط ذلك الشعار. وشعار حملات التحرير كانت ” الحجاب المُختزل في النقاب” وأما هنا فالشعار هو ” قيادة المرأة ! “.

واما الحديث الدعوي التوعوي فعلى بساطته بل وسذاجته – كما يصفه البعض!- إلا أنه وقف سداً منيعا أمام كثير من الأمور التي أراد لها البعض أن تكون فما كانت، ولذلك لا تستغرب تلك الحملات الشعواء ضد أهل الخطاب بالرغم من ابتعادهم عن أي خصومة فكرية من أي تيار، و بالرغم من أنه خطاب عامة لا خاصة أو نخبة، إلا أن هناك من يتتبعه و يستقصده و ينفر منه لما يرى من أثره البالغ الذي قد يغفل عنه أنصاره أنفسهم.!

فتلك رسالة للمحبط منهم “أنْ قد طرق وعظك القلوب، ودخلها بلا استئذان، فدع التكاسل و الخذلان، فهناك من يسمع و هناك من يعمل، وهناك من يتربص بك لأنه يرى أثر ما تصنع”

Advertisements

3 أفكار على ”تطواف حول حركة التحرير

  1. بوركت اخي عبدالرحمن على ماكتبته اناملك .
    (لابد أن يكون لكل خطاب خطابان؛ خطاب حجة وخطاب وعظ ودعوة. أما صراعات النُخب فقد لا يُعنى بها الأغلب.) .
    ما زلت أذكر كلام الشيخ سفر الحوالي حينما تحدث عن اهمية خطاب الوعظ ودوره المهم في تحريك جذوة الأيمان والتي بنورها تبعد المرء عن تتبع الشهوات او الرخص والشاذ من الاقوال . وأظن ان براعة الخطاب تكمن في جمعه في آن واحد بين مخاطبة العاطفة بلاتهويل او مبالغة وكذلك مخاطبة العقل باحترام وادب , ومن هنا كان إعجاز القرآن وبلاغته , حيث خاطب في كل امرئ عاطفته وعقله , بل وتنوع خطابه العقليبين الجدل والمثل والحجة, وتنوع خطابه العاطفي بين ترغيب وترهيب وتحفيز ونحوه , وكانت هذه الوسائل مقارع تقرع المرء ولاتدع له مفرا إلا ان يسلم ويذعن . ولو كان الخطاب يوما مقتصرا على العقلي , لربما كابر المرء وجادل وركب رأسه, فاتاه الخطاب العاطفي في نفس السورة , بل وربما في نفس الآية حتى يكسر حدة النفس واستكبارها .
    إنه من الاهمية بمكان أن يكون في نفس الخطاب خطابان بجميع أدواتها , بدلا من أن يكون هناك خطابان منفصلان كل له جمهوره ومواضيعه ورموزه , وكل يصم الآخر ويلمزه , فهذا قاص وهذا مفكر , وهذا عامي وهذا نخبوي . وما اجمل الجمع بين انواع الجمال واستغلال جميع الطرق الموصلة للهدف .

    في الحديث عن ( الحرية ) .
    أظن أنه مما برعت فيه هذه الحركات هو اتخاذها شعارا ومصطلحا عاما تجتمع عليه القلوب عادة , ثم وبطريقة ماكرة يحشر ويحشد تحت هذا المصطلح امور وقضايا مختلف فيها , فإذا اختلف أحدهم مع أحد هذه القضايا ألصق به تبعا انه عدو لهذا الشعار والمصطلح العام , فهو فجاة عدو للحرية والديموقراطية وحرية التعبير وغيرها . وأكثر من برع في هذا الصهيونية حينما أوجدت مصطلح ( ضد السامية ) , ثم استخدمته كعصا تخوف به , بل وتجلد به احيانا .
    كنت أتجول في شوارع بوسطن فاستوقفتني مظاهرة كانت أمام إحدى العيادات , واستشفيت من صور الأجنة المعلقة على صدور المتظاهرين أنها مظاهرة ضد الإجهاض . دار حديث طويل بيني وبين أحد الرجال المسنين المتظاهرين , حديث معبر انتهى بالدموع , وكان مما قال : ( هؤلاء ) يجيدون حصارنا بالمصطلحات الفضفاضة العامة حتى انهم لم يتركوا لنا مجالا لالتقاط انفاسنا . هل تصدق اننا لأننا ضد الإجهاض أصبحا وبقدرة قادر (ضد حرية الاختيار) (pre-choice) . هؤلاء يخنقوننا .
    اتمنى ألا نختنق نحن أيضا .

  2. هذا تعليق نفيس من أخي محمود درمش على هذا الموضوع في الفيس بوك أنقله للفائدة

    محمود درمش: قال شكيب أرسلان متحدثاً عن مراحل تغريب المرأة في تركيا قائلاً : “عند إعلان الدستور العثماني سنة 1908 قال أحمد رضا بك (من زعماء أحرار الترك) : ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية على جسر غلطه وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستورًا ولا حرية (فكانت هذه المرحلة الأولى) ، وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب فالح رفقي بك الذي كان كاتبًا عند جمال باشا في سورية كتب: أنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت أيان شاءت ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تقدر أن تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلمًا أو غير مسلم – فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقياه (فهذه هي المرحلة الثانية).
    ————–
    وعلق الشيخ علي الطنطاوي على هذا النقل قائلاً : فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء ، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض ، لا بد من أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخره ” .ا.هـ.

    م وقلت: فإذا كانت الحملة على تركيا بدأت مع مطلع القرن المنصرم (أي: مضى عليها أكثر من 100 عام، ومثلها في الشام ومصر،
    ثم آتت كل واحدة من الحملات أكلها السيء .. فماذا ينتظر أهل العلم والبصيرة في هذه البلاد ؟!
    —————–
    المشكلة والطامة الكبرى أن كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين نشر بدعم من (الإمام) محمد عبده، وقام الشيخ محمد رشيد رضا بنشر فصول منه في صحيفته (المنـار) !!
    فيارب ألهمنا رشدنا وثبتنـا على الحق .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s