تجاوزات الوعَّاظ

“اجتاز رجل صالح بدار صالح المري، فسال عليه ماء من ميزاب، فتوقف الرجل يسأل عن الماء، فخرجت إليه الجارية فقال لها: طاهر أم غير طاهر؟ ؟ فبكت وقالت يا سيدي هذه دموع صالح المري”.  المنثور لابن الجوزي

هذا مثال للوعظ الخاطئ. وللأسف أن بعض الوعاظ يلجأ لهذه الطريقة الخاطئة في الوعظ. ومن رأيي أن الأثر السلبي لهذه الموعظة أكثر من الإيجابي وربط الناس بقصة خرافية دلائل بطلانها أصرح من دلائل ثبوتها لا يقيم أساساً متينا. ولا يلهم رشدا ولا يحفز لطاعة ولا يمنع عن معصية. إذ ببطلان القصة يبطل ما بُني عليها، وردة الفعل غالبا ما تكون شديدةٌ قاسية. أَضِف إلى ذلك ما يكون من تضييع للحكم الشرعي المترتب على المعصية والذي قد لا يعرفه الكثير. 

ولم يصبح الوعاظ مجالا للتندر والسخرية إلى بسبب تلك الممارسات الخاطئة. وبعضهم قد لا ينتبه إلى حكم “صدق الحديث” ولا يُعِير هذا الباب أي اهتمام ما دام أنه يرى تأثيرا على البعض. وهذا التأثر تأثرٌ وهمي وقتي مبنيٌ على أصلٍ من قش، على شفا جرف هار سرعان ما ينهار به إذا ما تعرض لأي مُشكك أو ساخر يسخر من تلك القصة الخيالية.

تحدثت مرة عن الصلاة وقلت للطلاب: إن تارك الصلاة كافر! ودكرت الدليل وبينت معنى الكفر. وأن الكافر أغلق على نفسه أي طريق لرحمة الله سبحانه يوم القيامة إلا أن يشاء الله راحمه؛ ولسنا بأرحم من الله بخلفه. وبينت لهم بعض الأحكام الدنيوية المترتبة على ترك الصلاة فذهلوا واستوقفوني كثيرا عندها.  وأطالوا السؤال.  

ذكرت لهم أنه إن مات فلا يصلى عليه ولا يُغسل ولا يُدفن في مقابر المسلمين! وحدثني بعض مغسلي الموتى أن بعض الأهالي شهدوا على ابنائهم أنهم لا يصلون فلم يغسلوا.
وبينت أنه يُخْرَج به إلى البر أو على خط القصيم أو طريق الدمام ويدفن هناك تكريما للحي – وليس له – حتى لا يؤذيه برائحته!  فمثله مثل أي متاع مؤذي؛ مثل أي جيفة نتنة!كما أنه لا يَرث ولا يورث.  
ولو أقامت عليه زوجته أثناء حياته دعوى فيفرق بينهما.  وغير ذلك من الأحكام الشرعية فكانت عن ألف قصة وقصة. وعن ألف ثعبان يخرج من القبر ويراه الناس!!

والمنبغي ربط الناس بالكتاب والسنة وحثهم على التأمل في آيات الله سبحانه.  ووعظ الناس بالطريقة الشرعية المأثورة لا بالقصص والخرافات والعجائب.. 

وسمعت من بعض الوعاظ عجائب وغرائب  لولا خشيتي من شخصنة الموضوع وحرفه عن مساره لذكرتها. وكم من قصة سمعناها وتبين لنا كذبها أو عدم ثبوتها.  

هذا الأمر ولّد لديَّ: نفرتي من الوعاظ، وطلب الموعظة من العلماء الراسخين، فمواعظهم أرسخ وأصدق. وأعمق أثرا. وأبعد مدىً. عجباً لمن عنده قرآنٌ لو أُنزل على الجبال لدكدكها. يزهد فيه إلى حَكايا الله أعلم بها!! 

ولم ترَ عيني ولم تسمع أذني أعجب موعظة من الشيخ محمد المختار الشنقيطي والشيخ عبدالكريم الخضير، ويقشعر جلدي لسماع صوت العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله!!

ولأن المُبتدأ كان بابن الجوزي رحمه الله فليكن المُنتهى به كذلك. يقول: 

” إخواني: احذروا الدنيا، فإنَّها أسحر من هاروت وماروت، ذانك يفرقان بين المرء وزوجه، وهذه تفرق بين العبد وربه، وكيف لا؟ وهي التي سحرت سحرة بابل، إن أقبلت شغلت ، وإن أدبرت قتلت ” المدهش لابن الجوزي ٣٢٢.  

” ويحك!! لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، إنما أبعدنا إبليس لأجلك لأنه لم يسجد، فالعجب منك كيف صالحته، وهجرتنا؟!” المدهش ٢٨٥. 

في حفظ الله ورعايته. 

أخوكم المحب

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”تجاوزات الوعَّاظ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s