الراقصون على الأنغام الساخرة

ارتفع ضجيج الأنغام ، و ازداد الراقصون جنوناً على أنغامها الساخرة التي تُتَفِه الشعوب و العقول، و تنفث بسخريتها بكل صفاقة في وجوه العقلاء و أصحاب الفِطَرِ السليمة غير مبالية باستهجانهم أو غضبهم. هؤلاء قد تجمدت الدماء في عروقهم و جف الماء في وجوههم و أصبحت الصفاقة و قلةِ الأدب  الدناءة مذهبهم و طريقتهم، و لذلك أصبح البعض يُعرفهم (بأصحاب الطريقة) و هم سَمو أنفسهم بأصحاب الفن! و بِغَض النظر عما يقال و يتردد في أروقة بعض الكتب بأن معنى الفنان هو ( الحمار!) كما قال صحاب اللسان: “والفَنَّانُ في شعر الأَعشى الحمارُ” و ذهب صاحب القاموس إلى ابعد من هذا فقال: “والفَنينُ تَوَرُّمٌ في الإِبْطِ، ووَجَعٌ !! ” ومع هذا فإننا لابد من أن نتناسى ما يردده الأقدمون و أهل اللغةِ و الصَنْعة و الاختصاص و أن نأخذ المعنى الاصطلاحي الذي تعارف عليه الناس و الإعلاميون حرصا منا على مشاعر الفنانين الذين لا نود أن نُسِيء إليهم بتذكيرهم بأصل اصطلاحهم اللغوي بما أننا أمة (عربية!).

قال الحكيم: فسبحان من سلبهم حسن التَسمي، وهو ليس بأول ولا آخر عقوق إبليس بهم إذ أساء تسميتهم!

****

        لقد بلغ السيل الزبى ، و صُمَّتْ أذاننا من ضجيج هذه الأنغام المتنافرة، و بلغت السخرية حداً لا يمكننا السكوت عنه، و أصبحت اللغة رسمية للقنوات الفضائية و للفنانين – بالمعنى الاصطلاحي لا اللغوي – هي الرقص على أنغام السخرية .

        كاتب هذه الكلمات ليس ممن يتابع سخرية هؤلاء القوم و مع ذلك أصابه شيء منها، و من ثَم أثاره نَغَمٌ ساخر يقول : ” إن الفنانة …. ستشارك لأول مرة في مسلسل …. بحجابها !! و أكدت الفنانة …. أن تمثيلها بالحجاب راجع لدورها الذي تمثل فيه دور الفتاة الملتزمة بدينها، مؤكدة أنها ستمثل بحجاب أنيق و عصري يتماشى مع الموضة!! و أكدت – فضيلتها – أن الحجاب لا يتعارض أبدا مع الأناقة و الجمال” و بجانب الخبر صورة – للأخت المحجبة – التي ستشارك – لأول مرة بحجابها ! – فإذا هي قد وضعت مكياجاً تعجز عنه عروس، إضافة إلى النمص الذي قال عنه r : “لعن الله النامصة و المتنمصة” ناهيك عن الملابس الضيقة، أو القصيرة، و البنطال الذي يكشف أكثر مما يستر!! و مع فهي محجبة!! و تعكس شيئا من عادتنا و تقاليدنا، و تمثل دور الفتاة الملتزمة – القريبة من الله – كما تقول!!. (نُشر الخبر في صحيفة رسمية!)

أثارني هذا العبث و التَتْفيه للعقل كثيرا، فبحثت عن مزيدٍ من الأنغام الساخرة و اللقاءات الراقصة لتكون مادة لهذا المقال فوجدت العجب العجاب.

أغاظني كثيراً إظهار أو ظهور هؤلاء (السقيط!!) أو السفلة بأنهم مصلحين اجتماعيين و أنهم يناقشون قضايا يحتاج إليها الناس، وأنهم – تأمل! – يعالجون بعض الظواهر الخطيرة التي… الخ، و لو بحثت قليلا و من غير أي جهد و لا تقصي –عن هؤلاء المصلحين- لوجدت أخباراً و أفلاماً و صوراً في محركات البحث معنونة بِـ ( فضائح!) الفنانين، بل إن هناك مواقع متخصصة في (فضائح!!) هؤلاء المصلحين الاجتماعين، بل إن بعضهم – كما هو معروف في الواقع الفني– يفتعل هذه الفضيحة لينال شهرةً يتخطى بها الأبجديات التي فُطِر الناس عليها.

و إن مما تعلمناه في سني تعليمنا الأولى أن ننظر عمن نأخذ ديننا, و لكن لا بأس ببعض الرقص إذا كان هناك من يصفق .

إحدى المصلحات الاجتماعيات مثلت دور المثلية أو (البويه) أو (المسترجلة) و (السحاقية) و كان هذا في رمضانين!! و في لقاء معها سُئلت: ” أليس في تمثيلك لهذه الظاهرة تسويق لها و ترويج لها بين الفتيات؟!! ” قالت : “لا ، فنحن لابد أن نصور الواقع الحقيقي للفتاة (البوية) حتى !!.. حتى نحذر الفتاة من هذه الظاهرة !!” الصراحة وجهة نظر جديرة بالاحترام! قيل لها : “و لكنك صورت هذه الظاهرة و لكنك –لاحظ!!– لم تعالجيها ؟ ” قالت : ” نعم صحيح . و لكني تداركت الأمر في المسلسل الآخر ، و ذلك من خلال إصابة الفتاة بالإيدز و من ثَم موتها!!” (لقاء صحفي)

         و الذي خرجتُ به من هذا اللقاء أن الفنانة –المُصلحة– مثلت الدور نفسه مرتين لا مرة واحدة!! و الذي يبدوا أنه لأهمية هذه المسألة فقد أخذت حيزا كبيرا من اهتمام (الأخت المصلحة). و مما شدني أنه من خلال تعليقات بعض القراء الذين لا يقدرون جهد المصلحين! يقول البعض : أصلاً فلانة هذه (بوية) حقيقة و هي (مسترجلة) وأنها لم تَزد إلا مثلت واقعها الحقيقي!!.. المهم ما علينا.

لما ثارت فاحت رائحة (طاش ما طاش) قال الفنانون (الأفاضل) أنهم –فقط– يعالجون قضايا اجتماعية و أنهم لا يرغبون أن يدلسوا على الناس بتصوير واقع مخملي لا حقيقة له، بل لابد من تصوير الحقيقة لأنه أولى خطوات العلاج!! و هذا الأمر ليس خاصا بغلمان طاش بل عام في كل من خرج على مجتمعه و رفع راية إفساده.

إن لمجتمعاتنا الخليجية ميزة و هي أنها في عمومها محافظة، و أنها ترفض -على أقل الأحوال- هذا الفساد و التفسخ فهو و إن كان موجودا إلا أنه غير مستساغ، و من هذا المُنطلق بدأ الراقصون في الرقص و هز الوسط بأنغامهم المتنافرة الساخرة غير مبالين بأحد، و اللغة الإعلامية الساخرة التي يروجون لها تقول إنه لا بد من تصوير المجتمع بسلبياته و إيجابياته، يا جماعه يجب ألا ندس رؤوسنا في التراب !! و لهذا صوروا المجتمع –كما هو!- بزعمهم، و (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا!!) .

****

يصور هؤلاء الراقصون على نغمهم الساخر هذه المرة مجتمعاً عائلياً محافظا فالأم تظهر بطرحتها في وجود (الرجال الأجانب!!) و تحرص أشد الحرص على لبس الطرحة، و في بعض الأحيان لبس النقاب، و لكنها إذا دخلت البيت أو خَلا المكان من الرجال الأجانب خلعت النقاب و الطرحة، الطريف في الأمر أنه إذا طُرق الباب بادرت لِلَبس الطرحة و لكن ما أن يُفتح الباب حتى تقول البنت أو الابن: يمه ما هو شخص غريب .. هذا ولد عمي!! فتبادر الأم المحجبة إلى خلع الطرحة – أليسوا يصورون الواقع؟!!- بخلاف ابنتها المنفتحة نوعاً ما، و يجلس – ابن العم – الذي ليس غريبا أبدا في المجلس مع النساء و الرجال و الذين هم غير غرباء طبعا عنه!!.

يا لهذا الواقع الذي تفتقت عنه رؤوسهم!! بطبيعة الحال. هذه المرأة – صاحبة الطرحة – لا بأس عندها أن تظهر بدونها في غرفة النوم مثلا أو أن تقبل زوجها!!.. زوجها!! زوجها يا جماعة!! ألا تفهمون؟!!.

 في بعض الأحيان قد يكون يُعجب ابن العم – غير الغريب طبعا!! – ببنت عمه – غير الغريبة كذلك – و يكون بينهم تبسط في الحديث – طبعا هم غير غرباء أؤكد هذا مرة أخرى – فتشعر البنت التي رباها أهلها تربية صالحة و يثقون فيها كثيرا بأنها قد تجاوزت الحد قليلا – مع غير الغريب هذا– فيقول : وش فيك أنا ابن عمك!! أنا لست غريبا!! فتبتسم بخجل لأنها نسيت أنه ليس غريبا، ثم إن الشيطان ابن الكلب !! يدخل بين البصلة و قشرتها و يقع الفأس بالرأس، فيغضب الأب و الأم –صاحبة الطرحة– و تُطرد بنت عم ولد العم – غير الغرباء طبعا!!– من المنزل، و يتدخل الابن – العاقل الذي فكر بعقله لا بعاطفته – و يقول : يبه ما تفعلونه خطأ !! و بعدين هذي بنتكم وين تروح؟! و بعدين يبه كلنا نخطئ مهوب بس هي؟! فيها شيء الواحد يخطئ ؟! كلنا معرضين للخطأ !! يغضب الأب حينها و يثور و تغضب الأم – صاحبة الطرحة التي كانت مع زوجها في غرفة النوم!!– ثم يهدؤون و يقول كلامك صحيح …الخ. وتعود صاحبة الطرحة لطرحتها لتلبسها أمام الغرباء فقط!

في بعض الأحيان يكون المسلسل قائم على تصفية الحسابات و من ثَم تُلفق القضية على البنت و يتكرر المشهد السابق، إلا أن الولد العاقل يقول: يبه هذي بنتك و تربيتك .. أنت ما تثق في بنتك؟! أنت تعرف إنها ما يمكن تسوي ذا الشيء، و بعدين لو هي سوته كلنا نخطئ !! و يتكرر المشهد السابق، والمشاهد لابد أن يبكي تفاعلا مع الدموع التي تملأ الشاشة، بينما الراقصون الساخرون يصفقون لنجاحهم في نحر الفضيلة على مذبح الرذيلة في مشهد محافظ يمثل عادتنا و تقاليدنا .و حينها … و حينها فقط ترتفع الأنغام و يزداد الراقصون رقصا على أنغامهم الساخرة !!

إن المضحك ليس في هذا المشهد الممل المكرر  في كل مسلسل و في كل رواية أو قصة أو أقصوصة، و إنما في المهزلة التي تحدث على الشاشة، و هي النغم الساخر الذي أعنيه!! فجميع الممثلين أغراب و ليس فيهم من هو محرما للآخر، و المرأة التي تُقبل زوجها –لاحظ زوجها!– إنما تُقبل رجلا غريبا! و المصونة – صاحبة الطرحة أو النقاب– تظهر على نفس الشاشة بدون الطرحة أو النقاب، و البنت المسكينة المخطئة أو المظلومة قد تكون ملامستها للرجال – غير الغرباء طبعا – أقل من ملامسة الأم الثائرة من تصرفات ابنتها المراهقة و التي تلامس زوجها -غير الغريب، و هل سمعتم عن زوج غريب؟!! – ضحك على الذقون و رقص على الأنغام الساخرة .

ومع الوقت تطورت الأنغام الساخرة، و يبدوا أن عوامل التعرية الطبيعية زادت من احتراف الراقصون الذين يزدادون احترافا وعرياً بدنياً وأخلاقياً يوماً بعد يوم، فرأينا من ذهب يطلب العلم في أكاديمية الرذيلة مؤكدا أنه سيحرص على تمثيل عادات بلده و تقاليده الأصيلة، و أنه سيحرص أشد الحرص على أن يكون قدوة صالحة و نموذجا يحتذي به هناك!! للأسف جَرت الرياح بما لا تشتهيه العادات و التقاليد الأصيلة فلم يصوروا – قاتلهم الله!– صلاة طالب العلم إياه ، هل تذكرونه؟! الذي ذهب ليمثل عادات و تقاليد و…الخ، أخذته العزة -كما يقول هو– و أنسحب من الأكاديمية من دون أن يحصل الشهادة (السربتة العربية!) …. يا حسافة !!! الأشد سخرية في هذا الموضوع كله أن أم الطالب المُجِد هذا كانت تتابعه و تدعمه و تؤكد أن ابنها لم يذهب إلا ليمثل عادات و تقاليد … و… الكلام الفاضي الذي تعرفونه، و أنها –أصلاً- لم توافق على ذهابه إلا بعد أن أخذت عليه (تعهداً) بأن يمثل عادات و … و… ( الكلام الفاضي إياه).

من الأنغام الساخرة التي قرأتها عن إحدى الفنانات، هل هي فنانة عفيفة محافظة أم أنها كسائر القطيع ترعى حيث يرعون!! في المسألة قولان : احدها أنها فنانة محافظة و متزوجة و أنها لا تسافر لتصوير المسلسلات إلا و معها زوجها – طبعاً مَحْرم – و أنها لا تلامس الرجال إلا في المسلسل –ليس حقيقة و إنما تمثيل فقط؟!– إلا و معها زوجها. لم أملك إلا أن أضحك، ولكني لم أعلق بطبيعة الحال.

أخرى ظهرت على الشاشة و تدخن السيجارة، و بطبيعة الحال أختلف الناس على قولين : هل تدخن أم لا ؟!.. طيب يا جماعه أنتم ما (شفتوها) تدخن !؟ قالوا : لا هذا قد يكون تمثيلا !! قلنا ما فيه إشكال .

تجاوز الراقصون الأنغام التقليدية البالية التي اعتادها الناس فأرادوا أنغاما أخرى جديدة فكانت المسلسلات التاريخية، و لأن السيرة و الفتوحات هي أعظم تاريخ الأمة و أشرفه و أنصعه و … و …، فكان لابد من البدء به ، و لكن احذروا!! هاه .. إياكم أن تمثلوا دور الرسول صلى الله عليه و سلم أو الخلفاء الأربعة، بل حتى العشرة المبشرين بالجنة لأن الورع مطلوب في مثل هذه الأمور بالرغم من الخلاف المعلوم في المسألة. ظهر حينها سفلة الخلق ليمثلوا دور خير الخلق، و انتقل فرسان الخمارات و البارات إلى ساحات الوغى ليفتحوا الفتوح، و اغرورقت الأعين بالدموع تأثرا بكلام الله، بينما (الفنانة الأخرى التي لا تحل له) و التي تمثل الزوجة الصالحة التي خرجت مع زوجها لتشاركه في المعركة تتكئ عليه تارة، و تضمد جراحه تارة أخرى!! ألا قاتلكم الله ما ألأمكم. و ما أجرأكم على صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم و زوجاتهم!! قال بأبي هو و أمي صلى الله عليه و سلم : ” لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه !! ” و مع ذلك فالورع و الخروج من الخلاف يقتضي عدم تمثيل العشرة. (المقال كُتب قديماً قبل أن يحسم المبيحون أمر تمثيل الأربعة!) و لا أدري من هو الراقص هذه المرة على الأنغام الساخرة المزعجة هذه المرة جدا !! أهو الممثل أم المفتي ؟!!

قال الحكيم: هابَ إبليس حرمة رمضان فكفَّ. ردَّ عليه راقص متفقه: لم يهب، و إنما صفد!

قال الحكيم: و أنت أُطلقت!

ردَّ: كلنا أُطلقنا، يجب أن نسد الثغر!

نحن على ثغر!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s