خواطر مَدْنية: فَجريات “ثُبيتية” وأحاسيس نبوية

أجمل الفجريات التي صليتها في حياتي كانت في المدينة المنورة في العشر الأواخر من رمضان خلف الشيخ عبدالباري الثبيتي –شفاه الله- و أظن ذلك عام 1425هــ، صلى بنا ليلة ٢٥ وقنت قنوتاً اختلط بزخَّات المطر.كان ذلك ليلة الجمعة. و من عادة الشيخ إطالة صلاة الفجر تطبيقاً للسنة. ويوم الجمعة يعني أنه سيقرأ ( السجدة والإنسان) ولا يتركها إلا نادراً، وكثيرا ما ينتقي الشيخ من سورة غافر.

بعد انتهاء ليلة ٢٥ وقنوت الشيخ الثبيتي شفاه الله. جلسنا نرقب الفجر بفارغ الصبر. توقعنا أن الشيخ قد لا يصلي أو لن يطيل للجهد الذي بذله في التهجد. وحان وقت الفجر، وصلى الشيخ واستفتح بــ الـم.

حينها طَرِبت وفَرِحت بالرغم من التعب الشديد والإرهاق “وضعف الهمة! الله يتجاوز”؛ فالمكوث في الحرم العشر، وانتظار الفجر بلا نوم أمر مرهق جداً، ولكن ما أن أسمع الشيخ يقول ببحته الحزينة ( استووا.. استووا) إلا ويذهب كل ذلك، وكان يَتَأنْى في كل صلاته.. في قراءته، ركوعه، سجوده.

الشيخ عبدالباري الثبيتي له نبرة حزينة خاشعة مميزة لا تَكلف فيها، إذا قرأ تشعر أن الحرم كله يبكي معه، تشعر أن كل ما فيه حزين. قراءته الخاشعة الحزينة، وبحته المحببة أَوْحَتْ إليَّ بحزن المدينة الدائم لفقد ساكن ذلك القبر في هاتيك الحجرات التي سُجي فيها خير من وَطِئَ الحصى محمد صلى الله عليه و سلم.

توحي إليَّ تلك القراءة بجرح المدينة الغائر ألمها المستديم. يتدفق ذلك الجرح إذا بدأ الشيخ يناجي ذلك القبر بقراءته السريعة:

 ” محمد رسول الله “،” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل…”، “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” هاهي صورة الحبيب تُرسم، هاهو خياله يُطل، لَكم تمنيت حينها أن أقطع صلاتي وأذهب لتلك الحجرات وأطل فيها عَلّي أن أرى شيئا.. أن أسمع شيئاً، ولكن هيهات.. هيهات!.. فقد ازداد ذلك الصوت حزناً وألماً وهو يردد “وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون!”.

ارتبط في ذهني أن المسجد النبوي لا يصلح له إلا تلك القراءة التي تنعي وفاة الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

حديثان كلما تذكرتهما علتني رعشه، كلما سمعتهما أو قرأتهما كأني للمرة الأولى أقف عليهما.

الأول:

(قول أنس: لما قَدِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة أنار منها كل شيء، ولما مات أظلم منها كل شيء!)

والثاني: حديث فاطمة الباكي لعلي رضي الله عنهم حينما استقبلته بعد دفن الرسول. قالت: يا علي! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله!. يجيبها علي: والله ما طابت!

هذا الحديث يعصر القلب ويمزق ما تبقى فيه من وشائج.! ومن تطيب نفسه أن يحثوا التراب على رسول الله ؟! ومن تطيب نفسه؟!

تَذُكر صلاة الشيخ وفجرياته قادتني إلى تذكر السيرة المطهرة. وإن من يدخل المسجد النبوي ويزور الحُجُرَات وهو لا يستظهر السيرة كاملة لم يتذوق طعم الحرم إلى الآن!! فلْيُعد الزيارة..

أهم ما يجب أن يستحضره زائر تلك “الحجرات” التي عاش وقام ونام وصلى ودفن فيها أفضل من مشى على الحصى. وأفضل من ذاق الماء وارتوى. وأفضل سبح وسجد؛ أنها مجرد”حجرات!” وليست بيوتاً فضلا عن أن تكون قصوراً!. منها راسل فارس والروم، وفيها أثّر الحصير على جسده الطاهر، وفيها بكى عمر لما رأى أثر الحصير بنانه صلى الله عليه و سلم.

من تلك “الحجرات” خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يبحث عن طعام يسدُّ جوعته، فقابل أبا هريرة وبعد بحث لم يجد إلا قدح لبن أَبى أن يستأثر به لنفسه، فكان آخرهم شربا صلى الله عليه و سلم.

كانت –الحجرات- مجموعة حجرات تحيط ببعض نواحي المسجد، وضَجَّت المدينة بالبكاء من أجلها، فلم يُر أكثر باكيا من ذلك اليوم، يوم أن أراد عبدالملك بن مروان توسعة المسجد وهدم بعض الحجرات، كان ممن بكى عبدالله ابن عمر رضي الله عنه، وكأني به يشعر ببعض روحه تُنْتَزع مع تلك الغرف “الصغيرة” المُزالة! كانت غرفاً صغيرة لو مدّ رجلٌ يده لتجاوز سقفها!

أتذكر دعاء الشيخ عبدالباري الثبيتي في ليلة ٢٥ وهو يردد تحت زخَّات المطر( اللهم احشرنا تحت لواءه، اللهم اجعلنا من زمرته، واسقنا من حوضه!).

كنت في حصوة خلف الحجرات، وأشعر بالمطر. وأسمع صوت الرعد وأرمق الحجرات من بعيد. ويُخيل إليَّ فيها خيال رسول الله صلى الله عليه و سلم. مع ازدياد المطر يزداد تفاعل الناس مع الدعاء لاسيما وهم يستشعرون نزول في المطر في ساعة الإجابة و نزول الرب جلَّ جلاله، وفجر يؤذن بالانبلاج فنحن في أحرى ساعة، ومطر ورعد وبرق يسابقنا التسبيح، ويرتفع الصوت بالتأمين، ونغلب صوت المطر تارة ويغلبنا أخرى، وذلك الصوت الحزين المتهدج يدعوا ويردد ويُلِح على الله مرافقة الحبيب في الجنة!

 جمعني الله وإياكم ووالدينا في الجنة مع الحبيب المحب لنا محمد صلى الله عليه وسلم.

آمين .. آمين.

***

قبل طلوع شمس الرابع من رمضان المُعَظم لعام 1432هــ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s