أوراق متجول بين المعرض و الكتاب (1)*

انتصفت أيام معرض الكتاب أو كادت، وكان لابد لي من أكثر من جولة، ومع تلك الجولات لابد أن تتوارد الخواطر والآراء، و تتبادر العناوين وأسماء المؤلفين. ولكلٍ اختياره وذوقه، واهتمامات الناس متعددة، وأهوائهم مختلفة ولكلٍ وجهة هو موليها، وكنت أعجب من تبدل الاهتمامات في كل عام، في كل عام يكون للمرء مجموعة اختيارات واهتمامات تحددها ميوله و اهتماماته وقت المعرض، فيركز جهده على ما يشغله، ومن الناس من هو دوما بلا اختيار أو هدف. أسير للقوائم والنصائح، زبون دائم للإعلانات، وإعلانات الكتب ومعرض الكتاب تتجاوز الإعلان المجرد والبنرالواضح الكبير إلى طريقة أخرى من الدعاية والإعلان لها مفعول سحري سريع التأثير. ويبدوا أن تلك الطريقة الإعلانية (القديمة) من أضعف الوسائل الإعلانية في هذا الوقت. وأما الدعاية ذات المفعول السحري للكتاب فهي التي تأخذ طابعا ولوناً آخر يسري بين الناس سريان النار في الهشيم؛ ألا وهو: تزكية ذا رأي وفكر لهذا الكتاب أو ذاك؛ وللأسف أن بعض من يفترض فيهم أنهم أصحاب رأي في الكتاب تقمصوا دور التاجر الذي أرجوا أن يكون أميناً! فهذا يجب التعامل معه كما تتعامل مع التجار، لا تغفل عن هذا يا صاحبي. أو حديث مستفيض عن منع ذاك الكتاب أو هذا، أو أن هذا الكتاب فيه ما لم تتنبه له عين الرقيب فبادِر بأخذه. فتأخذه وأنت مغمض العينين، تضمه لفؤادك بقوة، وتبالغ في إخفائه، تخشى أن تتنبه له عين الرقيب فتأخذه عنوة من بين يديك! فإذا غادرت تلك البوابة ذات الأطواق الأمنية المحكمة تنفست الصعداء.

ومما يُذكر في هذا الصدد كتاب (السجين 32) لمحمد سعيد الطيب (المركز الثقافي العربي) دَوَّن فيه مذكراته وهي مجموعة لقاءات أجريت معه، ويقال أن الناشر في أول أيام المعرض تحرج من عرضها و دسها تحت الرف إلى غير ذلك، و قالوا إن فيها بعض التجاوز المُحبذ للبعض، و تناول لبعض الشخصيات،والكتاب ذا سعر باهظ مبالغ فيه (70 أو 80 ريال) . و أخذتُ للطيب كتاب (مثقفون و أمير) قدَّم له عبدالعزيز الخضر كتاب (مثقفون و أمير) للناشط الإصلاحي المستشار محمد سعيد الطيب تبدو أهميته أنه عَينة تاريخية نادرة عن الحالة السعودية… “، و تكمن أهمية مقدمة الخضر انه مؤلف كتاب السعودية.. سيرة دولة و مجتمع، و الكاتب (ياسر محمد سعيد) –الاسم المستعار الذي نشر به الكتاب أول مرةلم يعرفه الكاتب محمود السعدني في صوت الكويت!

ولأن الحديث عن الحِراك الفكري و الثقافي فلا يجب أن تُغفل رواية (زوار السفارات) لمحمد بن صالح الشمراني، و تقديم إبراهيم السكران. تلك الرواية الساخنة جداً، و المثيرة جداً، فهي كفكرة جديدة و جريئة ومثيرة في آن واحد، اجزم أن كل من سيقرئها سيستمع بها سواء وافق الراوي أم عارضه، لأنها رواية محترفة قبل كل شيء. و هذا العنصر بالتحديد هو الذي تفتقده الرواية الإسلاميةالسعودية تحديداً، فبعض الروايات أشبه بالمواعظ منها بالروايات. هذه الرواية ستفتح أفقاً، وستحرك ساكناً، و قد تنطق ساكتاً، الشيء الذي أنا متأكد منه أن هذه الرواية ستربك الخطة تماماًإبراهيم السكران. فهل  ستكون بداية لفتح بعض الملفات المغلقة و المعلقة. المؤلف ذاته له رواية أخرى بعنوان (أميرة 2) و قد نالت المركز الأول لأجمل رواية في المسابقة التي أقامتها مجلة البيان، و كِلا روايتي الشمراني تعرضتا للحجب و المنع و صعوبة النشر، و يقال بأن الأولى سحبت من المعرض. الروايات متوفرة عند (مركز الدراسات الفلسطينية) التي لا يبدوا السرور على وجه البائع و هو يبيع هاتين الروايتين، و لا أدري لماذا؟!

 

و الرواية تجرنا للرواية كذلك، فهناك (دار الرواية) – المقال كُتب في معرض ١٤٣٢هـ، قبل أن تُمنع الدار من المشاركة في هذا العام ١٤٣٣ هـ، ولا أدري عن وضعها في ١٤٣٤هـوهي مهتمة بالروايات الهادفة، ولهم بداية قوية وقدموا مجموعة من العناوين الكثيرة، أخذت منهم (رائحة الخبز) لمروان كجك رحمه الله الذي توفي قبل طباعة الرواية بشهرين فقط. كما أن الدار توفر روايات الدكتور المتفنن المبدع محمد الحضيف.  ودعم هذه الدار وغيرها من الدور و المشاريع الإصلاحية متحتم. ومن الروايات التي يجدر الإشادة بها. روايتا (اليهودي و الفتاة العربية) لعبدالوهاب آل مرعي، و (مدائن الرماد) لبدرية العبدالرحمن، مكتبة العبيكان، و هاتان الروايتان ظُلمتا كثيرا، ربما لنَفَسِهما الإسلامي، وهما روايتان غاية في الروعة، و كلاهما فيهما إسقاطات، و مدائن الرماد اعتمدت على بعض الخيال العلمي والتنبؤ المستقبلي، وهو فن يفضله البعض. و أما الأخرى فقد ابتدأت الرواية بفتاة جبلية في عسير انتهى بها المطاف في أوروبا! سارت من هنا إلى هناك في ملحمة عجيبة متقنة. وأعتقد أن أي منصف لو ألقى نظرة عابرة على هاتين الروايتين لا يمكن أن يبقيهما على الرف بهذا الشكل. و كلي أمل أن ينهض الكاتبان فيتحفاننا بعمل آخر يثريان به الساحة الأدبية و الروائية.

 

والملفات المغلقة تقودنا للحديث عن كتاب مهم جداً، و يعد وثيقة نفيسة (ذكريات و أسرار 40 عاماً في الإعلام و السياسة) لعرفان نظام الدين. دار الساقي. المؤلف واكب نشأة جريدة الحياة و رأس تحريرها، و أحد مؤسسي الشرق الأوسط و رأس تحريرها كذلك، و تدرب عنده  الشاب النحيل وقتهاتركي السديري، ثم عمل و ساهم في تأسيسmbc، وغير ذلك من مسيرته الحافلة التي سطرها في 890 صفحة، و الكتاب يباع بـ 100 ، أو 80 ريال كما أخذتُه، و لا استخسر عليه ثمنه. الكتاب مملوء بالأسرار و الأخبار و الطرائف، فيه حديث عن ضمائر مهراقة (لي مقال بعنوان الصحفي ضميرستان اقتبست منه)، وتبييت الشر و الفساد و الإفساد من خلال تأسيس بعض القنوات، ولا يصح أبدا الحديث عن الكتاب بهذا الشكل المُجتزأ. ستأخذ دورة مكثفة من خلال قراءتك له في العمل الإعلامي الاحترافي، و ستتكشف لك كثيراً من الأسرار، يكفي فيه حديثه عن ذلك الاجتماع الذي واكب تأسيس تلفزيون العرب و الذي قال فيه أحدهم: أن تلك الأمور التي تعرض في الشاشة يجب أن تدخل كل بيت!! يجب أن نقضي على التخلفالخ. كان عرفان يتساءل: من الذي يوجب؟

(عصر العلم) لأحمد زويل، يقال عن الكتاب أنك لا يمكن أن تقرأه و لا يتغير فيك شيء! لم أقرأ الكتاب بعد، كنت دوماً ما أسَوف شراء ذلك الكتاب النفيس، ولما رأيت اسم المؤلف فقط اسمهيزين البرنامج الثقافي للمعرض، قلت لابد من الجمع بين الحسنيين. كتاب و محاضرة، حضر الكتاب ولُعب علي فيه و لم تحضر المحاضرة! ومما يجدر قوله عن المعرض: أن هناك نية مبيَّته، و هناك قَدَرٌ مكتوب، مضى القدر وحده وبَطلت النية. فكأن ذلك المعرض أُتي من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله، حتى إذا تهاوى خرَّ عليه السقف من فوقه، و لله سبحانه وتعالى حكمة. تألمت كثيرا لعدم إقامة المحاضرة، و للأسف أن خبرها لم يأتِ إلا متأخرا، بعد أن قدمت المعرض. ويقال أنه قد كُبر التكبيرة الرابعة على جميع البرنامج الثقافي.

 

هوالكتاب لعبقري عربي زاحم الأعين الزرق، وتسيد قمة العلم.

 

أما كيف لُعب عليَّ في الكتاب؟ فلدي قناعة أن أي كتاب يباع في المعرض وخارجه فهو في الأغلب أرخص خارج المعرض ، أو قد يكون بنفس السعر وقلَّما يقل عنه، و كنت أذكر أن (عصر العلم) في بحر الثلاثين و يقارب الأربعين، و في قائمة أسعار المعرض بـ 42، و بعد الخصم 38 ، ويباع الكتاب بـ 40 ريال، رفضت السعر، و أخذته كما هو بـ 38 ، التي قبلها البائع على مضض، فَرِحت. فقد ظننت أنني.. أنني … . غادرت المعرض و توقفت في مكتبة جرير لغرض غير الكتاب، كان الكتاب هناك بـــ 30 ريالاً فقط!. (خيرها بغيرها).

 

 ومن الكتب مَهما تقادمت؛ تبقى جديدة، ومن مؤلفين مهما تقادموا و تباعدت أزمانهم فيبقى أنهم هم السادة، فلا يزهدن المرء في كتب الأصول سواء في الشريعة أو التاريخ أو الأدب، و اعلم أنه مهما ابتعد الناس و صنفوا فهم عيال عليها لا ينفكون عنها، فالزمها إذاً. من هذه الكتب على سبيل المثال (البداية والنهاية) لابن كثير، ومن رأيي أنه من أعظم كتب التاريخ إن لم يكن أعظمها و أنفسها، و فيه ما لا يوجد في غيره، ولابن كثير رحمه الله كلمات و تعليقات لا يقولها إلا هو، تستغني به و لا يُستغنى عنه. وكنت مستغنيا في المطولات بمكتبة الوالد حفظه الله، و لما تفرقت المكتبة جمَّعها اللهشعرت بالحاجة الأكيدة لهذا الكتاب الذي أُطيل النظر فيه كثيرا، فكان ما كان في هذا المعرض. هناك طبعتان أو تحقيقان : ط/ دار ابن كثير ، و هي التي اقتنيتها ، و هي طبعة نفيسه، وهي في المعرض و خارجه بــ 400 ريال، و أخذتها بأقل من هذا السعر. وهناك ت/ التركي، ومن رأيي أن تحقيق التركي غالي الثمن جدا، فهو يباع ما بين 600 إلى 700 ريال! و لا أظن أن هناك فرقاً كبيراً، بل بعض أهل الاختصاص من أهل الملاحظة الدقيقة اختلفوا في أي الطبعتين أفضل، فيُكتفى بطبعة ابن كثير و التي راجعها الشيخ عبدالقادر الأرناوؤط رحمه الله وهي طبعة (فاخرة، وملونه، ورق أصفر) و هناك طبعات أُخَر بسعر أقل يبدأ من 80 ريال إلى 700 ريال، فاختر ما بدا لك.

 

ومن الأسماء التي لا تتقادم: شيخ الإسلام بن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن رجب في رسائله النافعة الماتعة، و من المعاصرين الرافعي، والمازني فعنده ما لا يوجد عند غيره من ثقافة موسوعية وثقافات متعددة قلَّ نظيرها، و العقاد في كتابه (أناو القطبين محمد و سيد، والشيخ علي الطنطاوي، ويكفي في الطنطاوي مذكراته فهي آخر ما كتب. و غيرهم كثير. ومن الكتب اللطيفة الممتعة (قصص العرب) أربع مجلدات و جمع في مجلد واحد عند المكتبة العصرية، لمجموعة من المؤلفين، جُمع لك فيه أدب العرب ونُقِي من كثير مما يُشوه ذلك الأدب و التاريخ من كذب أو دس وتدليس، كتاب لا يُمَل و لا يتقادم أبداً.

 

والذي دعاني للاستطراد السابق أن هناك يدخل المعرض و المكتبة وفي ذهنه الجديد، ولمَّا يَنْته من القديم الذي يعتبر أصلاً لذلك الجديد، و كثير من الجديد للأسف الشديد غثاء كغثاء السيل، نسخا كربونية مشوهة رديئة التصنيع لذاك القديم المنبوذ!

 

ومن القديم الذي لا مثيل له و لا نظير كتاب (الاعتبار) لأسامة ابن منقذ رحمه الله، و لكنه سيكون ما أبتدئ به في الجزء الثاني من هذه الجولة.

* المقال خاص بموقع رؤى فكرية. 
** ملاحظة: تم نشر المقال مرة أخرى بمناسبة المعرض، مع بعض التعديلات اليسيرة عليه.
*** أسعد بأي تعليق أو ملاحظة.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s