عاقبةُ العَبثِ بأموال الرعية.. تاريخ شَهد وحاضر يشهد! لشيخ الإسلام بن تيمية.

إن الله يمهل ولا يهمل، و كم من عابث مضيع مستولي للأمانة التي وُكلت إليه، فخان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله لم يهمله، ولم يَنقضِ الجيل الذي شَهِد تلك الموبقات إلا وقد رأى عاقبة الله سبحانه لأولئك الطغاة العابثين بأموال الأمة وثرواتها، بل تعدى ذلك للعبث و الاستهانة بأرواح الأمة ودمائها! ولك ان تتصور المشهد؛ أموال مكدسة قد أفسدتها دابة الأرض (الأرضه)، كُدست في الحمامات و المراحيض، قد مُحيت ألوانها وتغير شكلها.. وفي ذات البلد من يتسول القمائم لتعطيه بعض ما تتكرم به من فائض الطعام وكُسر الخبز!!

ولكن الله لم يمهل أولئك، بل دار الزمان، وأصبح زبائن وعملاء القمائم أكثر حرية وثروة من أولئك الطغاة الشَرِهين…

هذا نصٌ لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية، يُخبر كيف يدور الزمان دورته، وكيف شَهِد التاريخ كما يشهد الحاضر بمآل أولئك الظالمين لا سامحهم الله في هللة أخذوها بغير حق!

“فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته.

ثم أن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله وبعده والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله ويذهب ماله وفي ذلك الحكاية المشهورة أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك فقال : أدركت عمر بن عبد العزيز فقيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته فقال : أدخلوهم علي فأدخلوهم بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال : يا بني والله ما منعتكم حقا هو لكم ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح فالله يتولى الصالحين وإما غير صالح فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله قوموا عني قال : فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزو عليها.

قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا يقال : اقل من عشرين درهما – قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس – أي يسألهم بكفه – وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله ما فيه عبرة لكل ذي لب”

(مجموع الفتاوى -رسالة السياسة الشرعية ١٤٩ /٢٠)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s