(حِراك) مدرسة المفاوضات الفقهية

 شَدَّ انتباهي -قبل أسبوعين تقريباً- أول ما رأيت صورة المرأة المتبرجة السافرة الفنانة التي لا أعرف اسمها والتي قيل إنها ستمثل عاتكة -زوج عمر- رضي الله عنها و عن زوجها، فكتبت في تويتر وقتها ( في صحيح أن الرسول قال للفاروق عن جارية له: فأردت أن أدخل فتذكرت غيرتك ياعمر! ومسلسل الفاروق يأتي بفاسقة يزعم أنها زوجة عمر! ) وكنتُ أشير للمعنى والحديث الذي تأثر الشيخ محمد الهبدان وهو يشير إليه في حلقة حِراك مع عبدالعزيز قاسم والشيخ عبدالله القرشي.

أما الشيخ الهبدان فقد أجاد و أفاد في طرح هذا المعنى المهم، وحاول تحريك النخوة العربية و الغيرة العمرية حين تحدث عن تمثيل نساء الصحابة وحياتهم الخاصة مع أزواجهم و تغزلهم ببعضهم وأحاديثهم و…و…. ما زلت أذكر أنني شاهدت مقطعاً من ثواني معدودة من مسلسل خالد بن الوليد، وقد صور سيف الله المسلول وهو ينام على فخذ من تدعي أنها زوجته! وقد وضعت مكياجاً كاملا -كما كان أولئك النساء يفعلن تماماً!!- وكان خالداً قد جُرح في أحد المعارك وكشف عن جنبه وكانت زوجه تداوي جرحه وتتلطف معه! فأيُ إسفاف وامتهان أكثر من هذا؟

وأحمد الله الذي وفقني لرؤية حلقة (حِراك) فلو لم أرَها لربما صدقت الأقلام التي تضافرت وتكالبت للتقليل من طرح الشيخ الهبدان، وتصويره وكأنه لم يطرح شيئاً، كذلك تصوير الطرف الآخر، الشيخ القرشي أنه قوي الحجة حاضر البديهة منطقي الطرح …الخ. تصوير فيه تجني، وكثرته وسرعته توحي بأن المتابع إنما يتابع من المدرجات! وبالرغم من تأييدي لرأي الشيخ الهبدان -وهو الرأي الذي عليه أكثر أهل العلم- إلا أن الحلقة كانت متكافئة بين الضيفين، ولم يظهر ذلك الضعف أو تلك القوة الظاهرة التي أراد بعض مؤيدي الشيخ القرشي و العاملين معه إيهامنا به، بل إنني أعتبر هذه الطريقة طريقة غير أخلاقية في الخلاف. وإن دلَّ على شيء فإنما يدل -ربما- على عكس ما أراد أولئك (المشجعون) إقناعنا به بالقوة.

ولست هنا لكي أؤيد الشيخ الهبدان و أقول إنه كان أقوى حجة من الشيخ القرشي، أو أن القرشي أقوى حجة، لم أكتب لكي أحسم النتيجة لأيٍ من الطرفين. فموضوعنا أكبر من تلك المهاترات و الألاعيب، فسواء كانت حجة الهبدان قوية أم ضعيفة فلن يؤثر هذا في الموضوع أي شيء.

ومع ذلك لابد لي من وقفة مع الحلقة وما قبلها و ما بعدها –أي مع الموضوع ذاته-، و ذلك لأبين بعض ما دار فيها بدلا من ذلك التأييد الأعمى القائم على المغالبة..

أولاً: طريقة إدارة الحلقة، فقد كان الانحياز واضحا فيها، ومن بدأ الحديث هو الشيخ القرشي ومن أنهاه هو القرشي كذلك، وهذا مخالف لأبجديات أي حوار إعلامي محترف، وبعد أن أنهى القرشي حديثه ختم د.قاسم -كما بدأ- بنصيحة للطرف المقابل أن يتراجع عن رأيه!!! فأي مهنية إعلامية في هذا الأمر.

ثانياً: لم يكن الحوار متكافئاً، فقد كان الهبدان يناظر مناظرين، كما أن قاسم تحدث أكثر من القرشي! أي أنه كان مناظرا رئيسياً في المسألة، وكان المفترض بالإعلامي أن يدير الحوار بين الطريفن لا أن يدخل طرفاً فيه.

ثالثاً: الحلقة -ككثير من حلقات البيان التالي في القضايا الشرعية- أشبه بمفاوضات علنية مع الطرف الرافض لكي يوافق ويبيح هذا الأمر؛ بغض النظر عن رأيه في المسألة، فقد كانت حلقة (حِراك) عبارة عن مفاوضات تكللت جهودها بالفشل. وإلى متى سيستمر تناول القضايا الشرعية بطريقة المفاوضات هذه؟

رابعاً: أعجبني الشيخ الهبدان حينما لم يساير قاسم فيما كان يريد، فقد التزم بالموضوع، وترك كل ما ليس له علاقة بأصل الموضوع كأخلاق بعض الدعاة مثلا والتي قدَّم لها قاسم بمقدمة مجلجلة. والتزام الهبدان بالموضوع وعدم المسايرة في الحوار والاستجابة لبعض الاستفزازات أو النكات التي ليس هذا محلها جعلته يطرح أكثر من تسع قضايا رئيسية لم يجب عليها أيٍ من المناظرين! ومع ذلك يصوره (البعض) بأنه ضعيف الحجة، عاطفي…الخ!

خامساً: طَرح الهبدان أكثر من تسع قضايا موجبة للتحريم، لم يجب عليها المقدم أو الضيف، بل تم تجاوزها لموضوع المفاوضات (لماذا لا تبيحون؟!)، في المقابل طرح القرشي قضايا معدودة كـ: أن الأصل في الأمر الإباحة ونحو ذلك ، وقد أجاب عنها الهبدان.

سادساً: تضمنت الحلقة عددا من المغالطات العلمية من قِبل الشيخ القرشي: منها نسبة القول بالإباحة للشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله وهذا ناتج من عدم تحرير قوله، بل له فتوى صريحة وواضحة يقول فيها بالتحريم. وهذا نص فتوى الشيخ بن جبرين من موقعه الرسمي:

س: هل يجوز إخراج فيلم مُصوَّر عن الصحابة- رضي الله عنهم- يحكي أعمالهم عن طريق التمثيل، ثم يُباع هذا الفيلم؟

ج: أرى أنه لا يجوز ولو جاز التمثيل، وذلك لأن فيها تصوير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وإظهار أشخاص أمام العالم يُشار إليهم أن هذا الصحابي الفلاني وهذا الصحابي الفلاني، وتُعرض أعمالهم كجهادهم وصبرهم وهجرتهم وقتالهم وقيامهم وصلاتهم، ففي ذلك شيءٌ من التنقص لهم، وفيه انخداع العامة بهؤلاء المُصورين وإعجابهم بمن قدر على هذا التمثيل، وأما التمثيل الذي يقع في المسرحيات، وفي النوادي، وفي المجتمعات، ويُقصد منه تنبيه الحاضرين على بعض الوقائع المُحرمة فلا بأس به إذا كان هادفًا وليس فيه تنقص ولا كذب غير معروف؛ وذلك لما يحصل بهذه التمثيليات من التصور الكامل لذلك الفعل، فيُوجب ذلك الانتباه له وفعله إن كان حسنًا، وتركه إن كان سيئًا.

عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

http://ibn-jebreen.com/?t=fatwa&view=vmasal&subid=4048

كذلك نسبة القول بالجواز للشيخ الفاضل سعد بن مطر العتيبي -كما يقول د.قاسم- وهو تلميذ المفتي، والشيخ سعد كما كتب هو: لا يقول بإباحة تمثيل الصحابة وإنما دخل في اللجنة الشرعية لتخفيف الشر، بل قال في تويتر ومن قال إنني أبيح تمثيل الصحابة؟. فالشيخ -وإن كان في اللجنة الشرعية- لا يرى جواز هذا الفعل بل قال إنه لم تصدر منه فتوى تبيح ذلك وأنه لا يرى ذلك، واجتهد في تغليب مصلحة على مفسدة، ونِسبة القول إليه بالجواز مطلقا فيه نوع من المجازفة، وإن دَلَّ على شيء فإنما يدل على أن المتحمسين للإباحة لم يحرروا المسألة. ولا يخفى أن من كان أصل الحكم عنده الإباحة يختلف اختلافا كليا عمن يرى أن الأصل في الفعل الحُرمة وإن كانت النتيجة واحدة في الأخير.

لذا فمن القائلين بحرمة تجسيد أو تمثيل الصحابة الشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله والشيخ سعد بن مطر العتيبي وفقه الله، وليس كما نُسب إليهما من قِبل القرشي ود. قاسم.

سابعاً: استدل الشيخ عبدالله القرشي بفتوى شيخ الإسلام في جامع الضرائب و المكوس، واستدلاله ضعيف وبعيد، ولا يستقيم لأمرين: الأول: أن شيخ الإسلام يرى ابتداء حُرمة المكوس و الضرائب، ولكنه أباح تلك الحالة المعينة لأن جامع الضرائب سيخفف على الناس، أما الشيخ القرشي فيرى أن تمثيل الصحابة جائز مطلقا، فالأصل في الأمور الإباحة كما يقول، فكيف يستدل بفتوى شيخ الإسلام؟ فتوى شيخ ربما يصح أن يستدل بها لو كان يرى أن الأصل في التمثيل الحرمة لا الإباحة و أنه إنما أباحة لكذا.. أما استدلاله بالفتوى فلا يصح، وفي استدلاله ردٌ عليه.

الأمر الثاني: هو القياس مع الفارق، فهو قاس قياسا بعيدا جداً، ولا علاقة للفتوى بأي وجه من الوجوه بما نحن بصدده من إباحة تمثيل الصحابة، وللنظر في معطيات الفتوى، فالفتوى تنصُّ أن هناك جامعٌ واحد للمكوس -فقط واحد- وليس فضاء مفتوحا!! وهذا الشخص الواحد الموكل من الحاكم الظالم لجمع المكوس لا يأخذ المَكس كاملا من الناس، بل يخفف عليهم، فلو ذهب هذا الواحد الذي لا جامع للمكوس سواه أتى جامع آخر فأخذ ما حدده الحاكم الظالم فيضر بالناس، فهل يجوز له الاستمرار في هذا الفعل (المحرم) حتى يخفف على الناس أم يترك العمل ويأتي غيره ممن قد يشق على الناس، فأفتى له شيخ الإسلام بالاستمرار وقال إنك مأجور إذا أحسنت النية إلى آخر الفتوى المشهورة. ولننظر لهذا المسلسل، فكل من عنده رأس مال يستطيع أن ينتج مسلسلا و لا رادع له، ولو أُنتج هذا المسلسل فربما يُنتج غيره، وإنتاج هذا المسلسل لن يمنع (الصفويين) من إنتاج مسلسل آخر، كما أن المسلسل لن ينتج مرة واحدة فقط بل من الممكن إنتاجه مرات ومرات، ولا أدري بأي وجه قاس الشيخ إباحة المسلسل على الفتوى، و لا أعلم كيف يستشهد بفتوى ليست في محلها، بل هي ضده، فهي تفتي بالتحريم ابتداء، ورخصت للضرورة، و الشيخ يفتي بالإباحة ويستشهد بمبيح أباح للضرورة! فأي خلط كهذا الخلط؟!

من الممكن أن يستدل بالفتوى في حالين: الأول فيما لو كان شخص يعمل في الأم بي سي، وهو بعمله هذا يخفف كثيرا من الشر من الشر ذاته، فنحن بين شَرِّين، أخفهما مُر، ولو ترك هذا عمله في هذا المحل لأتى غيره ممن يفتح باب الشر على مصراعيه، فمن الممكن أن يُستشهد له بهذه الفتوى.

أو مثلاً لو افترضنا جدلاً أن هذا المسلسل -وهو افتراض جدلي غير ممكن- سينتج مرة واحدة فقط، فهل يجوز للشيخ عبدالله الإشراف عليه؟

كل هذه افتراضات من أجل أن نجد موضع قدم لهذا الاستدلال الغريب.

ثامناً: المفاوضات التي جرت في حِراك لم تسفر عن أي نتيجة، فقد أراد القرشي في ختامها أن يَستلَّ من الهبدان (هل ما نحن فيه خلاف سائغ أم لا؟) ولكن د.قاسم لم يتفطن لهذه النقطة التي كررها القرشي أكثر من مرة. ويعني أن يكون خلافا سائغا؛ أن تسكتوا عنا، و لا تنكروا علينا..!. وهذه طريقة ذكية للالتفاف على النقاش الفقهي و الابتعاد عن صلب الموضوع.. لا بأس يا سادة .. ليكن خلافاً سائغاً، كذلك اجتهاد المنكرين في الإنكار عليكم هو من الخلاف السائغ كذلك..! فلتسكتوا عنهم كذلك، فكما اجتهدتم أنتم في إباحته فقد اجتهدوا هم كذلك في الإنكار عليكم.. فهل اجتهادكم سائغ واجتهادهم لا؟

تاسعاً: مما أُخذ على الشيخ الهبدان، استخدامه للعاطفة وتأثره، ويردد البعض أن هذا دليل ضعف الحجة، فهل القرشي -تحديدا- في الحلقة وتويتر ومن معه لم يستخدموا العاطفة؟ ماذا عن الحديث عن الأخلاق و الفجور في الخصومة، والحديث عن الكذب و البهتان و عدم التثبت، ماذا عن الحديث عن عدم احترام الخلاف وعدم تقدير أصحاب السابقة من العلماء، ماذا عن الحديث عن مآثر البعض ممن لم يعرف المنكرون فضلهم وعلمهم، ماذا عن وصف البعض -فقط!- بحسن الخلق و الرقي حال الخلاف و…و…، وكأن الطرف الآخر -بجمهوره العريض وعلمائه ومجامعه الفقهية- عبارة عن وحوش ضارية، عديمة الأدب و العلم؟ ماذا عن هذا كله؟ وأين الكلام العلمي في هذا الكلام؟ وماذا عن احترامكم أنتم للخلاف حينما لم تقدروا وجهة النظر الأخرى؟ أليس هذا كلام عاطفي؟ بل كتب أحدهم -عفى الله عنه- : (لا أستطيع أن أتعاطف مع دموع التماسيح لأنها بغير مشاعر!! … ولا أستطيع التعاطف مع دموع تبكي في موطن الجدل العلمي والنقاش الاستدلالي ؛ لأن العلم لا تُظهره الدموع ، والاستدلال لا يقويه البكاء.)

فلماذا هذا التطفيف؟ ، (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)) ، وأي مكيال هذا الذي يكيل؟ (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)..

أحرامٌ على بلابله الدوح… حلال للطير من كل جنس؟

عاشراً: أُقدر للشيخ الفاضل سعد بن مطر العتيبي حفظه الله تقديره للمختلفين معه -بالرغم مما أصابه من البعض مما لا يليق ولا يصح- فقد تعامل مع المسألة بموضوعية وعلمية، وردَّ على المعترضين، وقرَّر رأيه الذي حَرَّفه الشيخ عبدالله القرشي وعبدالعزيز قاسم، وهذا سلوك لم نعهده، فالذي عهدناه -في أكثر من حادثة مشابهة- أن هناك فئة من الناس، تفترض أن أولئك المعترضين والمخالفين بجمهورهم العريض لا يستحقون الرد، وأن الرد عليهم إضاعة للجهد و الوقت! وهم إنما يحتاجون إلى موعظة بليغة على سوء أدبهم وفجورهم في الخصومة و…و… وعدم تقديرهم لـ…، ثم إن هؤلاء المعترضين يتساوى عالمهم مع جاهلهم؛ كلهم يجب أن يهمل، وكل هؤلاء عوائق في طريق (النهضة!)، وكان ممن اصطلى بهذه النار الشيخ سعد بذاته حين سأل مرة وناقش أخرى فلم يجب أحد عليه!

الحادي عشر: أما ما يخص الضرورة التاريخية، وملء الدراما العربية بالمفيد…الخ، فإني لا أظن أن ذلك قد يأتي عبر بوابة الإم بي سي، فهذه القناة أخذت وكالة حصرية عن الشيطان، فهي وكيلته حين يُصفد في رمضان! تُرى كم مرة أُعجب الشيخ النجدي بأبي جهل؟

أما ذات الفكرة فلا بأس بها – أي الدراما الجادة- ولأن التاريخ ضاق جدا فلم يبقَ فيه إلا سيرة الفاروق فإني أريد أن أللفت الأنظار لقضايا وأحداثٍ تاريخية مهمة، وليرينا أصحاب الدراما الجادة الذين تهمهم هذه الأمة ويهمهم تقديم ما يفيد جهدهم، فهناك مثلا سقوط الأندلس، وحرب الإبادة و التي يسبقها عدل الإسلام. وهناك الحروب الصليبية، وهناك فتح بيت المقدس، وهناك بعض المواضيع الهامة في التاريخ المسيحي، ثم أليس الخطر الصفوي هو ما يهددنا الآن، فلِمَ لا ينتج مسلسل عن العقلية الصفوية الشيعي، عن إسماعيل الصفوي ومن يشابهه؟ أرونا جهدكم.. ولكني أعلم أن الإم بي سي أجبن من أن تقدم هذه المواضيع، وأشَحَّ من أن تحاول إفادة الناس.

الثاني عشر: سألتُ مراراً وتكراراً عن كشف حساب مسلسل الحسن و الحسين فلم يجبني أحد؟ بل إن عددا ممن ناصر المسلسل وشتم المخالفين تعلموا في أربعة أيام من الهارب عدنان إبراهيم شتم معاوية رضي الله عنه! فهذا المسلسل لم يستطع أن يقنع هؤلاء المتحمسين له أن شتم معاوية لا يجوز! و لم يستطع أن يخبرهم أن العلماء كما ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى اختلفوا في قتل من لعن معاوية رضي الله عنه على قولين!!

الثالث عشر: كنا ندعو الناس للالتفاف و الاتفاق و الاجتماع على قول مرجوح خير من الافتراق على قول راجح، وكنا نسمع عن أهمية الفتوى الجماعية وعن تفعيل دور المجامع العلمية و الفقهية، لقد ذهب كل ذلك أدراج الرياح، وبدلاً من كل ذلك ظهر لنا فصيل يدير اختياراته الفقيهة ومدرسته المنهجية بأسلوب المفاوضات و التحالفات، وليس على إتباع الدليل و النص، وحين كانت المناهج الدعوية و الفكرية تدور على الدليل حيث دار أصبح رأس المال هو من يدير تلك المدارس و المناهج! فبإمكان أي رأس مال في هذا الزمن أن يضع له المنهج الذي يريد و من ثَم يشرع في تشريعه وأسلمته، وحينها سنفاجأ أن هذا المشروع أصبح ضروريا ولابد أن يقام لأن رأس المال يريد ذلك!! بإمكان أي رأس مال أن يقيم المشروع الذي يريد بالطريقة التي يريد، فإذا أقيم هذا المشروع بحث له عن مخرج وسيجد الحل جاهزا، وبسقف أعلى مما كان يظن! أما الفتاوى والعلماء وأصحاب الرأي فيجب أن يكونوا آخر ما يفكر فيه؛ لأنها عوائق وصعوبات يجب أن تُذلل..!

إن الفرق بين الجيل الأول –أغلب ذلك الجيل الفريد إن لم كله قد غادر هذه الدنيا فرحمهم الله- والجيل الحالي، أن الجيل الأول يجتمع ولا يفرق الكلمة، ويقدم تنازلات كثيرة في سبيل ذلك الاجتماع، والخلافات قد لا يدركها إلا القريب أما البعيد فيظن أن تلك المدارس و المناهج كتلة واحدة، وذلك لأنهم استطاعوا احتواء ما بينهم من خلاف، و لا شك أنه حصلت بعض التجاوزات و الأخطاء في ذلك الاحتواء المبالغ فيه. أما هذا الجيل فهو جيل إعجاب كل ذي رأي برأيه، وربما يأتي النفر اليسير فيغامر ويختار، و لا يلقي بالا لا لكبير و لا صغير، و لا لفرد أو مؤسسة، ثم تراه يطلب من أولئك الجمع (العوائق) أن تتنازل وتسكت وربما جرت مفاوضات جادة لعقد هدنة من أجل الصمت أو الموافقة –كما حصل في حِراك!- وأن تتيح المجال للعاملين أن يعملوا بلا مضايقة! فإن لم يتيسر لهم ذلك أُقيمت المظلوميات، فأمر هذه المدرسة الحادثة بين مفاوضة ومظلومية!

أخيراً .. لجيلِ الدراما التي ستعيد صياغة المجتمعات، في مناظرات المستقلة الشهيرة ذكر التيجاني الرافضي حادثة، فلما طلب منه الدليل قال مسلسل كذا!!. فظن الحاضرون أنها نكتة، فإذا به يخرج المسجل ويشغل مقطعا من المسلسل يستدل به على ما يقول!! فغضب الشيخ عثمان الخميس من هذا الإسفاف، وضحك الآخر، واستحى المناظر الشيعي الآخر من هذا الأحمق!! وأنا … ضحكت كثيراً..

ديننا وتاريخنا –يا سادة- لا تحفظه المسلسلات..!

ولا يأتي آتٍ ويقول أنتَ تناقش في أثر الدراما!!

اللهم وفقنا لأحسن الأقوال و الأفعال لا يهدي لأقومها إلا أنت..

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد و على آله وصحبه وسلم.

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”(حِراك) مدرسة المفاوضات الفقهية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s