سؤال الفتوى وسؤال المدارسة

سؤال علماء على ضَرْبَين: أ) سؤال فتوى. ب) سؤال مدارسة.

أما  الأول:  سؤال الفتوى:  فهو سؤالٌ عن مسألة وقعت أو سَتقع وتريد حكمها، وهو غالب أسئلة الناس.

الثاني وهو مرادي من الحديث فسؤال المدارسة: وهو سؤالٌ عن مسألةٍ بَحثتها ودرستها، وتسأل عن بعض الاستشكالات فيها، وهو سؤال تَعَلُّم لا فتوى، وفائدته أكبر، ومن يَسأله قليل. و يسأل سؤال المدارسة –غالباً -طلبة العلم  -وليس كلهم للأسف- وقد يُناقش الشيخ، وقد يأخذ السؤال والجواب على المسألة أكثر من يوم للحاجة للمراجعة.

وقَلما ينال طالب العِلم العلمَ إن كان يُعرض عن سؤال المدارسة،و كذلك إذا لم يكن لديه مذكرة يسجل فيها الأسئلة والاستشكالات ، وإذا لم يكن يتحين الفرص للأسئلة العميقة المركزة، وهذا الضرب من الأسئلة –أسئلة المدارسة- يأتي بعد بحث و نظر.

 ويختلف العلماء في تلقيهم وإجابتهم لهذا النوع من الأسئلة، فليس كلهم يجيب السائل، بل ربما -وهو الأكثر- يلقي إليه بطرف الخيط فقط، أو يرشده أين يجد الجواب، أو يَدله على الطريقة التي يحصل بها على الجواب، لأن المقام مقام تَعَلُّم لا فتوى.

ورأيت وسمعت عن بعض العلماء أنه يزجر الطالب إذا سأل سؤالاً سخيفاً لم يَنظر فيه ولم يبحث، أو كان الجواب لا يحتاج إلا إلى نظر يسير؛ كمن يسأل عن سنن الصلاة مثلاً.

و سمعت مرة سماحة الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله يرشد حين سُئل في أحد برامج الإفتاء مثل هذه الأسئلة إلى كتاب فيه الجواب و لم يجب تربية للسائل أن يتعلم.

وسألتُ مرة سماحة العلامة ابن عثيمين عن مسألة بحثتها فلم أفهمها؛ فأجابني بكلمة واحدة فقط! رحمه الله وكانت مسألة في العقيدة، وسألت الشيخ العلامة عبدالكريم الخضير سؤالاً حديثياً فما زاد أن قال انظر في فتح الباري، فقلت له: إنني راجعت أصول الصحيحين وقارنت بين النسخ! فما زاد إلا أن كرَّر: ولو.. راجع الفتح، وانظر إلى الطرق. فلما راجعت المسألة وجدتها كما قال، وما كنت أظنه خطئا أصبح هو الصواب. وكان ما استفدته من السؤال يتجاوز المسألة و السؤال بكثير.

 وسألت العلامة الفقيه محمد المختار الشنقيطي مسألة حَضَّرت لها وحشدت فما زاد أن مَيَّز لي بين الطرق، وأبان عن الطريق الصحيح للمسألة، وكان جوابه (هذه خارج محل النزاع، وهم لا يبحثون هذا، فلا تلزمهم بما لم يلتزموا به)

وفي جميع تلك الأسئلة تَبَيَّن لي بالسؤال جوانب لم تكن حاضرة وقت البحث، أو طرقا ومسالك لم أسلكها أثناء البحث، ومن سلك طريقاً غير الطريق الموصل فلا يمكن أن يصل، وكان الشيخ عبدالكريم الخضير يردد كثيراً: من أراد أن يصل فليسلك الجادَّة، والجوادُّ معروفة مطروقة، وبغيرها لن تصل.

أخيراً: لا بد أن يكون لطالب العلم كراسة يجمع فيها ويدون؛ حتى تكون المسائل والأسئلة حاضرة، وربما تلتقي بعالم كبير من دون ترتيب فلا تجد ما تسأله، وسمعت من الشيخ  الخضير: لا يُتَصور طالب علمٍ لا كُراسَ لديه!

ولا شك أن سؤال عالم جليل يُقْصَد سؤالا ساذجا يَحطُ من قدرك عنده، وربما تقصده مرة أخرى فلا يلقي لك بالاٌ، لأنك في نظره غير جاد في التعلم.

مجموع كلمات، تمامها ليلة الأحد 23 صفر 1434 هـ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s