المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى (١-٣)

(1-3)

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد…

فهذه ورقة، أردتها أولاً لتكون استلالاً لتعليق يتيم للحافظ ابن كثير رحمه الله، ثم قلتُ لا بد للتعليق من تعليق، ولكن التعليق أصبح عنواناً بحجم (المخاصمون عن ابن الراوندي!) ثم أُضيف إليه (أشياء أخرى!) حتى أصبح بهذه الهيئة، هكذا أصبح بدون ترتيب أو تخطيط، وأعان الله من يرى أنه مُلزم بقراءته؛ فله أن يُقسمه على أيام الدهر!

تميز الحافظ الإمام إسماعيل بن كثير المُكنى بأبي الفِداء بتعليقات نفيسة لا يمكن أن تخرج إلا منه –رحمه الله- في تاريخه الموسوم بالبداية والنهاية، وكم نَدِمتُ أثناء قراءتي لهذا السفر النفيس أنني لم أُدون تلك النفائس و الوقفات والعِبر في أخبار من غَبر في وقتها أو أُعَلِّم عليها، ؛ إذ كنت اعتمد على ذاكرة كليلة لا تُبقي و لا تذر، والعلم صيد و الكتابة قيده، وكما قيل قَيِّد صيودك بالحبال الواثقة، قال المدقق الإملائي للوورد: صيودك خطأ! قلتُ: هو جهل من العجم بلغتنا، في المصباح المنير للفيومي: وسُمي ما يصاد صيداً … والجمع (صُيُودٌ).[المصباح المنير 184]، ومن مظان تعليقاته مما عَلق في الذهن: استطراده في حكم الإئتمام بالإمام القاعد أثناء حديثه عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد بَسط المسألة حتى أصبح بسطه مما يُرجع إليه في هذه المسألة، وليس التاريخ من مظان الفقه، كما بسط القول في المفاضلة بين خديجة وعائشة أُمّا المؤمنين رضي الله عنهما وأرضاهما، وكأنه توقف في المسألة –حسب ما أذكر-، وكذلك تعليقه على مقتل عثمان، الفتنة التي جرت بين الصحابة، مقتل الحسين، تتبع المختار ابن أبي عبيد لقتلة الحسين، الحلاج، حديثه عن الفِرق الباطنية و الخوارج، ونَزف دَماً على قَتلى صَحْن الحرم حين أخذ القرامطة الحجر الأسود وهكذا، ومما لا يعلمه كثير من الناس أن في بئر زمزم وبطن الحرم مقبرة جماعية لمئات أو آلاف الحُجاج قتلهم القرامطة فدفنوا في الصحن لتعذر نقلهم! عَلَّق –رحمه الله- بقوله: “ويا حَبَّذا تلك القتلة وتلك الضجعة!” وأجاب عن قول من يقول: لِمَ عاجل الله سبحانه أصحاب الفيل بالعقوبة وترك القرامطة الذين هم شرٌ منهم كُفراً واعتقاداً من عِدة أوجه.

ويُعنى ابن كثير رحمه الله بتتبع مظاهر إظهار السنة و اندراسها، فيعلق كثيراً على الخليفة إذا تولى: هل هو ممن أظهر السنة وأمات البدعة كما علَّق على تولي المتوكل، أم أنه ممن أظهر البدع؟ وللحافظ عناية بتتبع الأفكار والبدع وأفرادها، وما آل إليه حالهم، فتجده يذكر مثلاً (عمر الكَلْوَادني) و احفظوا هذا الاسم جيداً، (عمر الكَلْوَادني) هو الذي وَكّله الخليفة المهدي عام 167 هـ بتتبع الزنادقة وقتلهم بين يدي الخليفة، وكان الخليفة ممن أظهر السنة وقمع البدعة. ومع تتبع المهدي للمبتدعة والزنادقة إلا أن نَفْسه السُلطانية قد تطغى عليه، فقد استدعى القاضي شريك بن عبدالله لأنه سمع أنه لا يرى الصلاة خلفه، فقال له: يا ابن الزانية! فقال له شريك: مَهْ! مَهْ! يا أمير المؤمنين، فقد كانت والله صَوَّامة قَوَّامه! فقال: يا زنديق لأقتلنك! فضحك شريك وقال: يا أمير المؤمنين، إن للزنادقة علامات يُعرفون بها، شربهم القهوات، واتخاذهم القِينات! فأطرق المهدي وخرج شريك من بين يديه.

ولا تتسلل البدع إلى المسلمين إلا لتحل مَحَلَّ سُنة عَطلها المسلمون، فإن السنن إذا كانت ظاهرة فإن البدع تختنق، والبدع إذا خُنقت -كما خَنق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بِدعة صَبيغ أو أُصيبيغ حين سَوَّى ظَهره!- تختفي مُدداً من الزمان، وستَحُكُّ ظهرها حين تُدعى للظهور وتقول: أدبني الرجل الصالح! أمّا إن تركت فالويل لهذه الأمة من تهتك مِلتها، وتفلت دينها.

 حكى الذهبي في سيره عن الشافعي: حكمي في أهل الكلام، حكم عمر في صبيغ!.

قلتُ: ومن عجيب أمر الشافعي أن المتحولين يستدلون به في قديمه وجديده! و ربما لو اطلع الشافعي رحمه الله على بعض قولهم لعلَّق دُرة عمر في رقابهم ولطاف بهم في القرى الطرقات!!

قيل: إجماعات وليس إجماعا واحدا، قالوا: مُدعاة! عبث وتحريف، وإغلاظ للمؤمنين ولينٌ لمن هم دونهم حتى إنها لتشمل من احتوى وصفه على كاف وراء بينهما فاء!! و الله المستعان.

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}

****

ثم إنه نبتت نابتة، انتشت وسرت سريان النار في الهشيم ، مهمتها الحول بين المصلحين المدافعين عن الأمة؛ الذين يذودون عن دينها وبين أولئك المجادلين المحرفين لدين لله رب العالمين، وكَسوا تلك الغايات بأسباب وأزياء متبرجة لا تقيم فكراً سليماً ولا منهجاً قويماً، ولا تقي برداً ولا تستر عورة! والله يقول: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} ويقول: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} وقد صدق الله، فحين تركنا المدافعة، وما أسموه “ردود الأفعال!” أصبحنا أمة مستباحة في عرضها وأرضها ودينها ودنياها بل واعتقادها، وأصبح يدوسها النصيري والصليبي واليهودي وكل خسيس لا يَزِنُ بَقه! وهي تتفرج! وهي لا تملك حتى النُوَاح!! وأصبح ينشأ ناشئ الفتيان فينا على الفطرة التي فطره الله عليها، وما أن يشتد عوده إلا ويعترضه قاطع الطريق إلى الجنة، فيتلقفه إلى جهنم و بئس القرار! يعلمه الزندقة والضلال وغالباً لا يخلوا الأمر من انحلال وقد يصل إلى الإلحاد! وكأنه لم ينشأ يوماً على التوحيد! هل يُلام هذا الناشئ أم تلك القدوات التي ما فتئت تُهَوَّن من أهل الأفكار، وتُطبع التعامل معهم، وتتبادل معهم الابتسامات والضحكات والجلسات، ناهيكم عمن حول خصوماته الشرعية إلى خصومات شخصية “و لا كأن الكلب –كما يقول ابن كثير- أكل له عجيناً!!؟”

وكم من عدوٍ صار بعد عداوةٍ *** صديقا مُجلاً في المجالس مُعظما

ومن عنده وعدٌ كـ: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} فسيقصد البحر ويُخلِ القنوات، إن الله لقوي عزيز!

ثم إن حالهم زَعم أنه صَدَّر الإسلام لمصنع جَيَّد التصنيع، فأنتج لنا إسلاماً قوياً يستعصي على الذوبان؛ فهو ليس (زُبدةً) سيئة التصنيع سريعة الذوبان! فمِمَّ تخافون إذاً؟! أتخافون على الإسلام؟! أم تتهمون الإسلام أنه ضعيف؟! ومن بين ضجيج آلات مصانعهم يدوِّي في أُذني حديث الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم  ” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين “ [ذكر الحديث ابن القيم في إعلام الموقعين، وهو بهذا اللفظ فيه لِين وإن كان معناه صحيح]، والشاهد من الحديث “ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”. 

أترى أن الله سبحانه جَلَّ جلاله وتقدست أسمائه يُضارُّ بقول الكافرين: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا؟} ما له –سبحانه- عَقب بقوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا!!}. 

أَمَا وقد قِيل ما قِيل، وصَدَّق هذا السُخف من صَدَّقه، فيقال: إننا لا نخشى على إسلامٍ تعهد الله بظهوره، ولا على قرآن تعهد الله بحفظه، و لكننا نخشى على أنفسنا أن نكون شهود زورٍ على تحريف الإسلام وتبديله، نخشى على أنفسنا أن نكون ممن بَدَّل وعَدَّل، نخشى أن نكون شر أُمة تقوم عليها الساعة، وما الذي يمنع من هذا ورسول الله يقول “بُعثت أنا والساعة كهاتين وشبك بين أصابعه!” وفي آخر الزمان يرفع الإسلام حين يضيعه أهله!.

 نخشى على أنفسنا أن نكون ممن قال الله فيهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} و والله لن تكون أيامنا في النار أياماً معدودة، فالله سبحانه لم يعطِ أحداً عهداً بذلك! {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}، ولو كانت معدودة، فمن سيطيق تلك الأيام المعدودات؟!!

والأمم التي ضَلَّت؛ لم تَضِل لأن الدين الذي أُرسل إليها دينا ضعيفاً؛ فالكل من عند الله! أو لأن نبيها الذي أُرسل نبياً ضعيفاً منقطع الحجة والبرهان؛ فالكل من اختيار الله! ولقد أرسل الله سبحانه أكمل خلقه لخلقه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من الأنبياء نبيٌ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أعطيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة” [متفق عليه]، ولكن { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ}، {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

والمراد  من حديث أبي هريرة: أن كلَّ نبي أعطي معجزة كافية لإيمان الناس به، وأن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى تميزت أنها كانت وحياً أوحاه الله إليه؛ وهي القرآن الكريم، وللحافظ ابن حجر تعاليق واستنباطات دقيقة حول الفرق بين المعجزة التي تُرى بالعين الباصرة والتي تُرى بعين البصيرة، فالتراجع في فتح الباري. [رقم الحديث 4981]

بنو إسرائيل؛ أُرسل إليهم دين هو من أكمل الأديان، و فُضلوا من الخالق الدَيَّان، فدخلهم العُجب، وعلوا واستكبروا فأعرضوا وبدلوا وحرفوا، وكان أول أمرهم أنهم {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فكان عاقبة ذلك أنْ {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} وسنة الله الجارية؛ أن من يعرض الله عنه يستبدله بمن هو خير منه، و أي أرض تُقل وأي سماء تُظل من نظر الله إليه فمقته واستبدله بمن هو خير منه، لذا أصبحوا المغضوب عليهم والضالين، والاستبدال: قد يكون استبدال مِلة بمِلة، كما حصل مع الأمم السابقة، وهذا ضَربٌ انتهى، و لنا فيه عِبرة، أما الضَرب الثاني: فهو استبدال جيلٍ بجيل من ذات الأمة، أو شعب بشعب، أو فئة بفئة، وربما أهل بلد ببلد، فكل من قَصَّر في خدمة هذا الدين يستبدله بمن خير منه ودين الله لا يتوقف على أحد، وكم شهد التاريخ أفراداً حملوا لواء العلم والدعوة و النفع، وكان الناس يصدرون عنهم ثم انفض الناس عنهم، وكم شَهدنا عائلات عُرفت بالعلم لقرون، ثم استبدلها الله بمن هو خير منها، وكم شَهِد التاريخ ملوكاً وأمراء سادوا ثم حين غَيَّروا غَيَّر الله عليهم {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}, {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.

****

الصمت عن إضلال المُضلين وتحريف المبطلين شُعبة من شُعب السلبية، ولو أن هذا ما ابتليت به الأمة وساحتنا الدعوية و الفكرية لكان في الأمر سَعة، فقد يكون للساكت عذر، على الأقل لم يقل الباطل وإن كان سكت عن الحق، ولكننا ابتلينا بقوم من بني جلدتنا، ومن داخلنا, خاصموا عن الخائنين المحرفين= ساسةً و المفكرين، والله يقول {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} قال الزجاج في معاني القرآن: “أي لا تكن مخاصماً ولا دَافِعاً عن خَائِن.” [2/101].

أين أولئك المجادلين المخاصمين من قول الله سبحانه: {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيماً} وكيف سيبيت المخاصم إذا عَلِمَ أن المُعاتب في هذه الآية هو محمد صلى الله عليه وسلم؟! وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مجادلاً مخاصما عن المنافقين والذين يختانون أنفسهم، ولكنه كما قال عليه الصلاة و السلام في حديث أم سلمة : “إنما أنا بشرٌ ، وإنكم تختصمون إليَّ ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحُجَّتِه من بعضٍ ، وأقضي له على نحوٍ مما أسمعُ ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذ ، فإنما أقطعُ له قطعةً من النارِ” [متفق عليه] ومع هذا عاتبه الله سبحانه، وخَلَّد درساً عظيماً للأمة، وتوعد المخاصمين بقوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}

ومن المخاصمين؛ من لا يخاصم صراحة، ولكنه يصُفُّ قريباً من خندق الخائنين، زاعماً أنه ينتقد ويصوب أخطاء المصلحين! فهو رأى بعينه الباصرة خطأ المصلحين والمدافعين ولم تبصر بصيرته زندقة المزندقين!! ومنهم من يقول إنكم (اشغلتونا) عن قضايانا الكبرى، وصرفتم جهدنا عما هو أولى لما هو أدنى، و لو رأيت حاله لرأيت أنه لم يشتغل بما يزعم أنه الأعلى و الأولى، و إنما كَرَّس جهده وبذل وقته لملاحقة إخوانه؛ الذين يزعم أنه وإياهم في خندق واحد، وهذا ظنهم فيه كذلك! لِمَ كل هذا إذاً؟ ومن أضْرب المخاصمة –وإن لم تكن مخاصمة صريحة- توقير وتعظيم أهل الفِكر و الأدب والسياسة وكل من هَبَّ ودَبَّ وغَض النظر عن انحرافهم؛ بل واستساغتها واستلطافها! والثناء عليها في موطن يتطلب التحذير منهم ومنها، على أهل الخير والدين و علماء الشريعة وروَّاد الدعوة.

****

المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالله الصبيح

(٢-٣)

قال ابن كثير [بتصرف واختصار] “ابن الرواندي: هو محمد بن يحيى ابن إسحاق، أحد مشاهير الزنادقة الملحدين، عليه اللعنة من رب العالمين… صنف كتاباً في الرد على القرآن سمَّاه “الدامغ” وكتاباً في الرد على الشريعة و الاعتراض عليها سمَّاه “الزمرد”… وقد انتصب للرد عليه في كتبه هذه جماعة منهم: الشيخ أبو علي محمد الجبائي، شيخ المعتزلة في زمانه، و قد أجاد في ذلك” [البداية و النهاية 11/405].

قلتُ: كان لبعض المعتزلة –بالرغم من ضلالهم- حَمية وغَيرة على الإسلام، ونفع الله بهم في مواطن، وأثنى عليهم العلماء؛ منهم شيخ الإسلام الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين إلا لما قام به من دين الإسلام الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم والمظهر لباطل من خالف الرسول وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منهم إلا وله غلط في مواضع” [ درء التعارض 4/227]

 تأمل –أخي- الميزان الدقيق الذي وضعه شيخ الإسلام ” الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين إلا لما قام به من دين الإسلام الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم” ويُفهم من هذا أنَّ من لم يكن مثلهم في خطأهم وبدعتهم إذا لم يقف موقفهم المشكور فإنه لا يستحق أن يُعظم.

 ويقول: ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، ولهم في الرد على كثير من أهل الإلحاد و البدع، والانتصار لكثير من أهل السنة و الدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيها بعلم وصدق وعدل وإنصاف” [درء تعارض العقل والنقل 1/283].

ذكر الدكتور خالد الغامدي في [الصراع العقائدي في الأندلس خلال ثمانية قرون بين المسلمين و النصارى من الفتح الإسلامي (92هـ) حتى سقوط غرناطة (897هـ)] أسماء عدد من المعتزلة الذين صنفوا في الرد على النصارى منهم: أبو سهل بشر بن معمر، القاضي عبدالجبار المعتزلي، أبو هذيل العلاف المتكلم المعتزلي، أبو جعفر الإسكافي، حفص الفرد، الجاحظ، أبو علي الجبائي، ومن أجلهم علمهم وقدراً وجهاداً القاضي المتكلم أبو الوليد الباجي، ولم يكن من المعتزلة رحمه الله، وبالرغم مما بين ابن حزم و الباجي، فقد قال عنه: ” لو لم يكن لأصحاب المذاهب بعد عبدالوهاب إلا مثل أبي الوليد لكفاهم”.

هذا حالهم، أما حال متكلمي زماننا زماننا؛ فإنهم قد سَكنوا جحر الضب بعد أن طردوه منه ! فأين هؤلاء من هؤلاء؟ والله المستعان.

نعود لابن الراوندي؛ يقول عنه الشيخ المعتزلي أبو علي الجبائي “قرأت كتاب الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي فلم أجد فيه إلا السفه و الكذب و الافتراء… ووضع كتاب في الرد على محمد صلى الله عليه وسلم في سبعة عشر موضعاً من كتابه، ونسبه إلى الكذب،  وطعن على القرآن، ووضع كتاباً لليهود و النصارى على المسلمين بهم فيها على إبطال نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الكتب التي يتبين بها خروجه من الإسلام، نقله ابن الجوزي.” [البداية و النهاية 11/405].

قال ابن كثير: “وقد أورد الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في “منتظمه” طرفا من كلامه الملعون في الطعن على الآيات و الشريعة؛ وردَّ عليه في ذلك، وهو أقلُّ وأخسُّ من أن يتلفت إلى شيء من جهله وهذيانه وسفهه وخذلانه وتمويهه وترويحه وطغيانه… وكان أبو عيسى الورَّاق مصاحباً لابن الرواندي هذا قبحهما الله!” [المصدر السابق]

وهرب ابن الراوندي “ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي وصنف له كتاباً سماه “الدامغ للقرآن” فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله” . [المصدر السابق]

هذا بعض ما ذكره ابن كثير رحمه الله عنه، وبقي له تعليق نفيس هو حجر الزاوية لهذه الورقة، وسيأتي في موضعه بإذن الله.

ومن عجيب أمرهم –أي المخاصمين-؛ أنْ زعموا أن الثناء على أهل الباطل فيما أحسنوه “إنصاف!”، إِي وربي! كذا يقولون!! فحين تنتظر كلمةً في مبتدع تُجلي بدعته يريدك أن تثني على ذكائه، وعبقريته، وحسن إلقاءه، وسعة اطلاعه! يريد أن يقال هذا في موضع خُصص للتحذير منه، ثم زعموا أن هذا هو منهج السلف في الإنصاف، قالوا: كذا كان إنصاف الذهبي مع خصومه في “ميزان الاعتدال”، وتأمل معي في قولهم “خصومه!”، فقد حُولت الخصومات الشرعية العقدية إلى مجرد خصومات، قالوا: وهذا صنيع ابن حجر كذلك في “لسان الميزان”، ولو أقسمتُ لأقسمتُ غير حانث أنهم لم يشموا رائحة أيٍ من الكتابين!

“لسان الميزان” لابن حجر سار فيه الحافظ على نهج الذهبي في “ميزان الاعتدال”؛ كما صنع مع “تهذيب الكمال” للمزي حين صنف “تهذيب التهذيب”، وهي أن يسير معه على نفس النهج و الترتيب ويتعقبه ويعلق، وربما عدل وبدل، وهذه طريقة متبعة عند السلف رحمهم الله، فلا تجد عندهم (الأنا) و التشوف للإتيان بجديد قد يكون بالياً! ولا تجد عند لاحقهم غمط للسابق منهم كما يحصل عند كثير من محققي التراث في زماننا! بل تجد الإقرار بالفضل و السابقة، و لا يعرف فضل أهل الفضل إلا أهل الفضل، وإلا فمن صنف “فتح الباري” لا يعجز عن تصنيف “تهذيب التهذيب” و “تقريب التهذيب” و “لسان الميزان”! ومن صنف “المغني!” لا يعجز أن يحذف منه أسطراً قليله هي “مختصر الخرقي” الذي حُشِّي عليه بأكثر من 300 حاشية! ومن صنف “زاد المعاد” لا يعجز عن تصنيف “المنار المنيف في الصحيح والضعيف”، ثم أنت ترى الواحد منهم –رحمهم الله- لا يصنف غالباً إلا بعد إلحاح وطلب، أو أمر، أو لأنه رأى حاجة ماسة لهذا المصنف، وأنه حتمٌ واجب عليه لا يسعه تركه، كما فعل المُجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في “كتاب التوحيد”، يقول العمريطي ناظم “الورقات”:

وقد سُئلت مدة في نظمه*** مُسهلاً لحفظه وفهمه

فلم أجد مما سئلت بُدا

ويقول الشيخ حافظ حكمي:

وبعد: هذا النظم في الأصول*** لمن أراد منهج الرسول

سألني إياه من لا بد لي *** من امتثال سؤالِه الممتثل

ويقول الحافظ ابن حجر في مقدمة “نخبة الفكر”: “فسألني بعض الإخوان أن ألخص لهم المهم من ذلك؛ فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك”.

ولعل هذه هي “الوصفة السرية” لتلك الكتب وذلك العلم وأولئك الرجال الأخفياء الأتقياء، فكان في علمهم من البركة و النفع ما لا يوجد عند غيرهم، بل والله تعجب حين ترى بعض السلف لاسِيّما من التابعين وتابعيهم، والصحابة من باب أولى: ليس لهم إلا عبارات يسيرة و الناس يدورون حولها لا يستطيعون تجاوزها! ومما يثير الدهشة أن راوية الإسلام، الإمام المحدث، الصحابي الجليل، أبو هريرة –رضي الله عنه- أكثر الصحابة، قد اختلف في اسمه إلى ما يقرب من خمسين قولاً، قيل إن أرجحها عبدالرحمن بن صخر الدوسي! ثم هو رضي الله عنه؛ لتواضع فِطري فيه، كان يظن أن عبدالله بن عمرو ابن العاص أكثر منه رواية! رضي الله عنهم أجمعين.

والسؤال: هل كان إنصاف الحافَظَين وغيرهما لِين مع أهل البدع والمقالات؟ 

لنتعرف على طريقة ابن حجر في “لسان الميزان” من خلال حديثه عن ابن الراوندي (الملحد) –كذا سمَّاه- قال: “الزنديق الشهير، كان أولاً من متكلمي المعتزلة، ثم تزندق واشتهر بالإلحاد، وقيل إنه كان لا يستقر على مذهب، و لا يثبت على شيء، و يقال: كان غاية في الذكاء… وقد أجاد الشيخ –يعني الذهبي في ميزان الاعتدال- في حذف ترجمته من هذا الكتاب، و إنما أوردته لألعَنَه. توفي إلى لعنة الله في سنة 298هـ” [لسان الميزان 1/695] ويتحدث عن أثر الخصومة وحضوض النفس في تشكل عقيدة ابن الراوندي “واعترف بأنه صار إلى ما صار إليه، حمية وأَنَفه من جفاء أصحابه وتنحيتهم إياه من مجالسهم!” [لسان الميزان 1/696] فتأمل كيف أصبح جفاء الأصحاب أصلاً عقدياً يتشكل منه الإلحاد! ونعوذ بالله من الضلال و الخذلان.

ومن ذلك ما حدث مع جَبَلة ابن الأيهم الغَسَّاني ملك نصارى العرب، فقد ارتد عن الإسلام لأنه رفض أن يَقتص من المزني بصفعة مكان صفعة، وأبى إلا دمه! كيف لا؟! وهو ملك غسان!؟ وقصته مع أبي عبيدة في عهد عمر على الصحيح، ورجح ابن كثير هذه الرواية في تاريخه [8/89]، أما القصة المشتهرة عنه مع عمر في الحج فلعلها لا تثبت و الله أعلم لنكارة فيها، فهي أولاً من رواية ابن الكلبي، ويظهر فيها الصَنعة، وفيها أن عمراً أرسل جَثامة بن مساحق الكناني لهرقل –وهذا ثابت- والتقى جَبلة هناك، وجبلة صحابي، ذكره ابن حجر في الإصابة [2/171]، والصحابي فضلاً عمن هو دونه من المؤمنين لا يمكن أن يجالس جَبَلة في مجلس شرابه –وإن أبى الشُرب- ويستمع للقِينات يُغنين، ولو أسمعنه شعر حسان! قلتُ: جَثامة حين حضر مجلس هرقل جلس على شيء لم يَدرِ ما هو، فإذا هو كرسي من ذهب فنزل عنه، فضحك هرقل واستفهمه، فأخبره: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك، فهذا جَثامة رضي الله عنه وهذا ورعه، أَتُراه يجالس جَبلة بين قِيانه وخمره ومعازفه؟!

 وفيها أن عمر سأل جَثامة إن كان رأى جَبلة يشرب الخمر!؟ فهل سيترك عمر كلَّ شيء ويسأل عن شرب النصراني للخمر؟ ومن ارتد وكفر بالله؛ أتراه يتورع عن شرب الخمر؟

وقد ذكر ابن كثير الأثر وسكت عنه ولم يوثقه، ووثق الأول، وهو مشتهر في الأدب، وقد ذكر ابن حجر في لسان الميزان أن ابن الكلبي اتهم بالصناعة والتأليف. وقد نبهت على الأثر لأنه لاشتهاره حلَّ محل الأصل، و لأن الأثر الأصح لا يكاد يذكر والله أعلم.

 قلتُ: وهذا كثير –أي الصَنعة والتأليف- في كتب الأدب ، لا سيما فيما يتعلق بالقصص التي يكون علي أو معاوية أو عمرو بن العاص أو ابن عباس أو أشياعهم طرفاً فيها فتنبه.

ونقيضه, حديث كعب بن مالك الطويل في الصحيحين:

قال: “حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد عليَّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشَّأْم –كذا ضُبطت في الصحيح- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك! فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها” [البخاري 441٨ مسلم ٧١٦]

يا له من بلاء؟!… ويا له من إيمان؟!..

عن عمر ابن عبدالعزيز: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل أو التحول أو الشك، وجميع الروايات وردت.

بإمكان القارئ الكريم –حتى يَطْلِع على ذلك الإنصاف المحرف المزعوم- أن يطلع على كتاب ماتع بعنوان “مشاهير في ميزان العلماء” من جمع الباحث الشيخ سليمان الخراشي، وتعرض فيه لأغلب المشاهير، وكتاب الخراشي مُستلٌ بكامله من “لسان الميزان” لابن حجر، وقد قارنت بعض تراجمه –منها ترجمة ابن الرواندي- بالأصل “لسان الميزان” فوجدتها كما هي في اللسان، وإنما عَلَّق ببعض التعليقات اليسيرة جداً في الهامش، منها ما أثبته من تعليقات الشيخ عبدالفتاح أبو غدة محقق لسان الميزان، وقد ذكر هذا في مقدمة الكتاب، وكنت أتمنى لو أنه غَيَّر اسم الكتاب ليكون دالاّ على مدلوله. والأصل يغني عنه، و لكن الأصل طويل، وفيه ما لا حاجة لأكثر القراء به، وهو هنا اقتصر على أغلب الأسماء التي يكثر تداولها بين الناس.

****

 قال أبو الوفاء بن عقيل “ورأيت في كتاب مُحقق أنه –أي ابن الراوندي- عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه.” [البداية و النهاية 11/406]

قال ابن خلكان عن ابن الرواندي : “أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي، العالم المشهور؛ له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتاباً… وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين… رحمه الله تعالى!.” [وفيات الأعيان 1/94]

حين وقف ابن كثير رحمه الله على هذا الكلام البارد بحق الراوندي خَتمَ ترجمته بقوله: “وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات ودَلّس عليه ولم يخرجه بشيء ولا كأن الكلب أكل له عجينا على عادته في العلماء والشعراء فالشعراء يطيل تراجمهم والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة والزنادقة يترك ذكر زندقتهم” [البداية و النهاية 11/406] وتأمل عبارة ابن كثير جيداً ولا كأن الكلب أكل له عجينا على عادته في العلماء والشعراء فالشعراء يطيل تراجمهم والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة والزنادقة يترك ذكر زندقتهم!”

وصنيع ابن خلكان أثار جمعاً من العلماء ممن اطلع على أصل نُسخ الوفيات، وكان العلماء سابقاً يُهمشون على الكتب ويضيفون إليها التعاليق و الحواشي، وتلك الكتب هي التي تُسمى الآن “المخطوطات” أو “النسخ الخطية للكتاب”، يَصف محقق “وفيات الأعيان” إحسان عباس ما شاهده في عددٍ من نسخ الوفيات في هامش الترجمة فيقول “وقد أبدى بعض المعلقين على هوامش نسخ ” الوفيات ” قلقاً شديداً لأن ابن خلكان لم يتناوله بالذم فجاء على هامش إحداها: ” لم ينصف المصنف في سكوته عن ابن الراوندي وهو من مشاهير الزنادقة… الخ ” وقال في هامش أ: ” وأخطأ ابن خلكان في عدم تجريحه وذكر ضلالاته ومخازيه وقد ذكره ابن الجوزي والذهبي وابن قاضي شهبة “ [نفس المصدر- الهامش]

ولو أردنا تحليل نص ابن كثير لوجدنا أنه انتقد ابن خلكان في قضية منهجية وليس في قضية عين أو زلة، وذلك أنه أولاً: أنه لم ينبه على زندقة ابن الراوندي. ثانياً: أن من عادته بَخس أهل العلم حقهم، والثناء على غيرهم وهذا تدليس وليس إنصافا وهو ليس منهج أهل العدل.

“قال عبد الله –إذا ورد اسم عبدالله مطلقاً في دواوين السنة فالمراد به ابن مسعود رضي الله عنه-: أغد عالما أو متعلما ولا تغد بين ذلك” [كتاب العلم لأبي خيثمة]، و “عن عون بن عبد الله قال قلت لعمر بن عبد العزيز يقال: إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما فإن لم تستطع فكن متعلما فان لم تكن متعلما فأحبهم فان لم تحبهم فلا تبغضهم فقال عمر سبحان الله لقد جعل له مخرجا” [كتاب العلم لأبي خيثمة].

ثالثاً: أنه يذكر الزنادقة ولا يذكر زندقتهم. رابعاً: برودة حِسه تجاه تلك الزندقات و الضلالات ” ولا كأن الكلب أكل له عجيناً!” وفي ذلك أن تلقي البِدع وسماعها بنفس مستكينة تَدَّعي الهدوء مذموم، وهذا ليس هدوءا أو تعقلاًً، إنما بلادة حِس ودماء باردة كالثلج، ولو شُتم في أبيه ما صمت ولا هدأ ولا استكان!

وابن خلكان –رحمه الله- عالم جليل، أثنى عليه ابن كثير وغيره من أهل العلم، وإنما هذا تنبيه من ابن كثير على خطأه المنهجي عنده.

****

المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالله الصبيح

(3-3)

مخاصمة المؤمنين والمخاصمة عن الخائنين المجادلين لها أضرب، منها:

أن يخاصم عنهم صراحة، وهذه “الوقاحة” قليلة ونادرة، ومنها -وهي الأكثر- أن ينتقد أسلوب الناصحين الغاضبين لدينهم، فيزعم أنهم أخطئوا، ومن غِضب لدينه ليس مَلكاً أو نبياً مرسلاً لا يقول إلا حقاً؛ فقد يقع منه الخطأ، و الخطأ قد يكون خطأ واضح جلي، وقد يكون –وهو الأغلب- من اختلاف الوسائل ومما يسوغ فيه الخلاف و الاجتهاد، وخطأه الواضح الجلي –قطعاً!- ليس بأشد من خطأ ذلك القادح في دين الله سبحانه! فهو رأى بعينه الباصرة خطأ المخطئين ولم تبصر بصيرته زندقة المزندقين.. ما لكم يا هؤلاء كيف تحكمون؟!!

ثم إن هذا الذي نبه على خطأ المخطيء – قلت خطأ تجوزاً، و إلا فهو كما بينته سابقاً- لم يرد على تلك الزندقة، وإن ادعى أنه أعلن معارضته لها، وما تلك المعارضة أو الاختلاف –فهو مجرد خلاف!- إلا توطئة للنيل من الصالحين. وهذا ضرب من أضرب المخاصمة.

ومنها تطبيع العلاقات، وتمييع الخلافات، وتعجب حين ترى أن بعض الخلافات خلافات عقدية اختلف أهل العلم فيها: أهي كفر أم لا؟ أو أنهم فرقوا بين كفر العين و الفعل، ثم ترى هذا يذيب كل ذلك ويلقيه وراء ظهره ظهريا! ولأن النفوس قد لا تبصر أَثر زندقة مرت من هنا لوَهنٍ فيها، ولأنها –بالتأكيد- تَشم رائحة الدماء؛ قل لي بربك وأنت ترى جثث الموحدين طافية على دمائها..

 وأنتَ تراها وكأنك لا تراها..

 وكأنك تعجز أن تحلم بها..

 أي شيء هو ذلك الواقع الذي تجاوز الحلم..

 وأي شيء ذلك الحلم الذي عجز أن يساير الواقع..

 وأنتَ ترى عينيك تُكذب ما ترى..

 ونفس تستوحش مما تظن أنها رأت نصفه.. بل ولا ثلثه والثلث كثير…!

وأنتَ ترى هذا.. أخبرني عن ابتسامات عريضة رأيتها، وأقلام قرأت لها.. وهي.. وهي تتحدث عن القَتلة؟!

وليس من دعوة المخاصمين التلطف معهم ومع فكرهم أمام وسائل الإعلام، والتقاط الصور الضاحكة و اللقطات الحميمة، حتى إن الناظر إلى الاثنين ليظنهما شيئاً واحداً، وفي التلطف و إذابة الفروقات في العلن غِش وتدليس للمتابع المقتدي, و الدعوة والنصيحة الصادقة –إن حصلت- فيجب أن تكون بمنأى عن الإعلان، ففي الإعلان والإعلام مباهاة وسعي لاكتساب المصالح، و هذا يتنافى مع سموِّ النصيحة. و “العاقل من نظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر” [العبودية –شيخ الإسلام بن تيمية]، وزمن الصورة لا يرحم البواطن المستورة!

ومن الجهل وعدم الفقه في الدعوة عدم التفريق بين مَحل الدعوة و النصح، ومَحل الرد و الإبطال.

ومن الناس –وهذا ليس من المخاصمة- من ينظر لمصلحة صاحب القول المُضلل الشخصية ولا ينتبه للضحايا الذين تلقفوا قوله.

ومن المخاصمة إتاحة الفرصة –والإتاحة ليست التعامل مع أمرٍ مفروض..فتنبه!- لأهل الباطل أن يقولوا باطلاً لا يمكن لنفس فُطِرت على الإيمان والتوحيد أن تسمعه، وقد قال الله فيما هو دون ذلك بكثير: { فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} ، وفي الأنعام { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فكيف بمن يتيح لهم الفرصة، ويفسح لهم في القنوات والندوات باسم “حرية الرأي!”.

ومن المخاصمة الثناء عليهم، وبإمكانك أن تُجَزِئَ ما يستحق به الثناء؛ حتى إنك لتثني على الإنسان أنه إنسان فَضله الله على سائر الحيوان! والسِير ناطقة؛ فأغلب أهل الباطل قديماً من أهل الذكاء و العلم و الأدب و المناظرة، وفيهم ما يستحقون به الثناء، فهل حَفل أهل العلم بهذا؟. [سبق كتبتُ خاطرة بعنوان: حتى الداهية أبو هذيل العلاف يَضِل]

ومن أسباب الثناء أو الإعجاب: أن هذا المُعجَب وَرَد عليه واردان، وارد انتهاك حرمات الله و الخوض في آياته فلم يتمعر لها وجهه ولم يَفزع لها قبله، أو يبلغ ذلك منه المبلغ المطلوب، و وَرَدَ عليها فصاحة ذلك الفصيح وبلاغته وفكره فغلب هذا ذاك، ولو غَلب الأول لما رأيت منه ذلك الرِضا والإعجاب و الذكر الحسن، وكيف يطمئن ويثني ويدل على من يُشاقِّ الله ورسوله ويخوض في آياته؟ وليس أن جمعاً من العلماء و الفضلاء يقرءون لمن لا تُرضى سيرته لفائدة عنده، ولكنه لا يثني عليه فضلاً عن أن يدل عليه، لأن في ذلك غش لمن دُلَّ عليه، ومما يثير السخرية أنك ترى بعض المنتكسين يُعير نفسه فيقول: كنت أقرأ كذا خُفية!

ومنها الاحتفاء بهم، وتقديمهم على أهل الفضل و الدين و العلم أو مساواتهم بهم، وليس هذا بصنيع أهل العبودية والإيمان، يقول شيخ الإسلام في رسالته العبودية  ” وقال تعالى : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} وقال : {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى : {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير}، {ولا الظلمات ولا النور}،{ولا الظل ولا الحرور}،{وما يستوي الأحياء ولا الأموات}… وقال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}. ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل وأهل الطاعة وأهل المعصية وأهل البر وأهل الفجور وأهل الهدى والضلال وأهل الغي والرشاد وأهل الصدق والكذب. فمن شهد ” الحقيقة الكونية ” دون ” الدينية ” سوى بين هذه الأجناس المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق حتى يئول به الأمر إلى أن يسوي الله بالأصنام كما قال تعالى عنهم : {تالله إن كنا لفي ضلال مبين}، {إذ نسويكم برب العالمين} بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود إذ جعلوه هو وجود المخلوقات وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد.” [العبودية 39-41] 

ومن المخاصمة التهوين من مقالاتهم، ومنها الاعتذار أو التبرير لهم، ومن الناس من لا تراه إلا في خندق قريب من المخاصمين، يزعم أن هناك خلافاً فقهياً في المسألة، وكأن المُخاصم عنه أحد أئمة المذاهب المتبوعة؟! وكم من مشاريع وأفكار مُررت بحجة أن هناك خلافاً ما! بل سمعنا عمن يعد “بحوثا شرعية” وضع تحت شرعية عشرة خطوط! لأولئك المخاصم عنهم إذا وقع الفأس برأسهم، فهم –كما سيظهر للناس فيما بعد- لم يختاروا ما اختاروه إلا بعد بحث ونظر.. واجتهاد!

ومن أبرز مظاهر المخاصمة وأكثرها شيوعا الصمت عن الزندقات و الشبهات المُثارة وتمرير سياسات مرفوضة، ولن يعجزوا عن حجة تبدوا مقنعة، وإن كانت عند التمحيص والنظر لا تعدوا أن تكون سراب، وإن اُستدِلَّ له لا يعدوا أن زَبداً من زبدِ بحر العلم الذي لا يكدره ما يُنسب إليه.

وجِماع القول: أن كلَّ تصرف يُفهم منه التهوين من بِدعةٍ أو من قائلها إذا كان من أهلها، أو التسويق لصاحب بدعة مُشَاقٍّ للنصوص، أو قَبوله، أو ما يفهم منه عدم التحذير منه أو الحِياد عن أهل الباطل و المِيل عن أهل الحق هو منها كذلك.

 ولا عبرة بتسلل المخاصم للمؤمنين المخاصم عن الخائنين من الأبواب الخلفية، وانسلاله انسلال الشعرة من العجين، أو مجادلته ومغالبته، فالعبرة ليست بانقطاع الحجة وحسن التبرير، وإنما بالأدلة و الغايات و الحال شاهدة، ومن جعل هَمه تتبع الغالبين فمآله أن يكون من المتقلبين، عن مالك “من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته!” [إعلام الموقعين 71]، والتأويل على ضربين: تأويل يَطمس شيئا من السنة أو يبدلها، فهذا لا يعذر صاحبه –وإن استدل!-؛ لأنهم كما يقول ابن حزم “لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة”، كمن عطل نصوصاً وشرائع، ومن ذلك –كما يقول ابن حزم “إبطال الرجم… البراءة من بعض الصحابة” [المحلى11/98 بتصرف] فأصحاب هذه المقولات أصحاب جهالة تامة، وتأويل –وهو الثاني- لا يحل به سنة فهذا معذور، لأنه “ليس فيه إحالة شيء من الدين وإنما هو خطأ في قصة بعينه لا تتعدى” [المحلى11/98 بتصرف]، وضرب ابن حزم مثلاً لهذا القسم بتأويل معاوية رضي الله عنه.

والمُخَاصَمُ عنهم قد يكونون من أصحاب المقالات الداعين الباثِّين للشبهات، وقد يكونون ولاة يُغيرون دين الله سبحانه وشرعه، وإذا غُيرت السُنن ولم تُنكر فإنها تُصبح شرعا مُبدلاً، وقد مَرَّ بالأمة زمن في عصورها الأُوَل ولاة لا يجهرون بالتكبير في الصلاة سِوى تكبيرة الإحرام، فنشأ جيل من الفقهاء على هذه البِدعة، فظنها أمراً سائغاً فنقل الخلاف في حكم “الجهر بالتكبير” وهو خلاف لا أصل له في الشرع، ذكر ذلك ابن تيمية في كذا موضع من الفتاوى وغيرها.

كنا نشتكي من “الخذلان” .. وهو ضَرب لطيف من أضرب المخاصمة، فإذا بنا نُبتلى “بالمخاصمين” وإنا لله وإنا إليه راجعون، فاتقوا الله سبحانه أيها الفضلاء، وتجردوا للحق، واعلموا أنكم متَابَعون، اتقوا الله في جيلٍ تَحيَّر فما يدري ما يصير، صونوا العلم الذي تحملونه و الميراث الذي ورثتموه.

إن لم تأمر بالمعروف فلا تَنه من يأمر به،  وإن لم تنكر المنكر فلا تَقف في وجه من ينهى عنه.

قال ابن حزم رحمه الله ” وأما من دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن والحكم بالعدل فليس باغيا بل الباغي من خالفه” [المحلى11/98].

فاحذر عصمني الله وإياك أن يطلع الله على قلبك فيرى فيه ميلاً عن أهل الحق لأهل الباطل، واحذر أن يطلع على عملك فيرى فيه مخاصمة للمؤمنين لحساب الخائنين المخاصمين، واحذر أن تحمل وِزر غيرك بدلالته على من أضله بلينك معه ودلالتك إياهُ إِياه.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تويتر للتواصل| asbeeh@

الأحد 16/ رجب/ 1434هـ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s