“خَرَائِطُ الإِحْسَاس” حكاية وطنٍ لم يَكتمل! (١-٢)

(1-2)

 

بهتَت ألوان الوطن في عينيه ، تذكر أنها كانت فاقعة في يوم من الأيام.

 

في صباه طلب منه مدرس مادة التعبير أن يكتب عن “تراب الوطن” فكتب وكتب ، كتب عن الوطن و الآباء و الأجداد ، كتب عن الوطن وعن التراب ، تحدث عن التاريخ .. نعم التاريخ! تحدث عنه كثيراً ، وافتخر بالواقع وربط الماضي بالحاضر .. أشاد به المعلم وسُرَّ بما كتب ، رأى أنه – في تلك السن على الأقل – قد أدى للوطن حقه فجلس ينتظر أن يؤدي إليه الوطن حقه .. أخذ ينتظر  ويتنظر، وما زال ينتظر ..

 

مرت السنون .. “تراب الوطن” أصبح “وطناً” فقط، بلا “تراب” .. مرَّ بجوار شبكٍ حديدي يفصل “التراب” عن “الوطن” ، رأى فيه فتحة فتحها بعض المشاغبين ، توقف عندها بُرهة ثم انسل من “الوطن” إلى “التراب” ، أوقف سيارته ، أنزل بساطه ، هَيئَ الجلسة وجلس ، ألقى بنظرةٍ ساهمةٍ إلى لا مكان ، ومن دون قصد منه وجد بصره يمتد إلى الشبك ويتجاوزه إلى … ” الوطن ” ..

سهى عقله كما سَهت عيناه .. هامَ كما هامت .. 

تجاوزت نظرته الساهمة الشبك الحديدي فتجاوز حاضره إلى ماضيه القريب، وجد ذاكرةً متسعة كاتساع التراب الذي كان يوماً ما ضمن قطعة نَثرية كتبها ضمن المقرر الدراسي ، سار بذاكرته مع الطريق الممتد أمامه حتى وصل إلى المتحف الوطني الذي زاره في صباه مع المدرسة ، كانت المفاجأة أن اسم أحد أجداده في لوحة الشهداء ، الشهداء الذين بذلوا دمائهم رخيصة لتوحيد هذا الكيان ؛ الوطن و التراب ، عرف حينها أن له تاريخ ، أخرج هاتفه الجوال لكي يلتقط صورة لبعضه ، وبينما هو يرفع الجوال لكي يلتقط الصورة إذا بلوحة (ممنوع التصوير!!) تحول بينه وبين بعض أجزائه!

آلمه أن يمنعه نظام المتحف أن يحتفظ بشيء من تاريخه ، أليس ملكاً له ؟ ابتسم حين تذكر أنه قال مرة لبعض خاصته مازحاً وهم في زيارة لمتحف في أحد الدول وذلك في أحد سفرياته:

المتاحف مؤامرة غربية هدفها وضع التاريخ في قوارير زجاجية تمنعه من الهواء حتى يختنق ، وللأسف أن التاريخ استجاب لهذه المؤامرة الكونية فقبع صامتاً في القارورة أو الإطار ، والمنسلخين من الماضي والحاضر يتكثرون به ويقولون نحن حاضر هذا الماضي ، إن هذه الـ…

قاطعه زميله : خل عنك الفلسفة ورح قص لنا التذاكر ، وقارورة المويه هذه إِلِّي بيدك اشربها وإلا ارمها لأنه ممنوع تدخل المتحف!

حين عاد إلى جده الثمانيني ، سأله متلهفاً عن ذلك الاسم الذي رآه ، تأمل جده في وجهه ملياً وقال بصوتٍ عميق قادم من التاريخ : “يا ولدي .. هذه الأرض سقيناها بدمائنا فأنبتت ، يا ولدي الأوطان التي تُسقى بالماء تبور ، الذي يَسقِي بالماء فيُنبت هو الله فقط ، الأوطان لا تُسقى إلا بالدماء.”

قطع عليه الغبار الذي أحدثه بسبب لعبه بالتراب سرحانه ، مَرَّ عليه ما يقارب الساعة هو على هذا الحال ،  حين انتبه لنفسه خَشِي أن يكون تصرف في مال غيره، والتراب أغلى المال بل إنه أغلى من الذهب فكيف يتصرف فيه من دون إذن صاحبه؟ وهو لا يريد أن يقابل الله سبحانه وفي ذمته حق لأحد، حاول الاتصال بشيخ يحتفظ برقمه، كرر الاتصال حتى ردَّ الشيخ ، قال : يا شيخ جلست في أرض ليست ملكي وليست ملكاً للوطن ، وسهوت فلعبت بترابها بدون إذن صاحبها. هل يلحقني شيء ؟ غضب الشيخ من هذا السؤال ونهاه أن يفترض المسائل ويتكلف السؤال وساق له أثراً لم يهتم كثيراً بحفظه.

كثيراً ما يقابله المتسولين في الطرقات ، كان المتسولون يتسولون الشعب ، أما الشعب فقد كان يتسول بعض حقه ، حقوق المواطن أصبحت مِنحاً استثنائية وليس حقاً محضاً.

 الشعب – الأناني – حين طالب ؛ طالب ببعض حقه ؛ بزيادة الرواتب لأصحاب الرواتب فقط!  جَرَّد الشعبُ الشعبَ من أن يكون له حق. لقد استطاع هو –أي الضمير المستتر الذي لا يعرف من هو – أن يوهم الشعب أن الذين لهم حق فئة معينة محددة . حقوقنا أصبحت مجزئة، حين تتجزأ الحقوق يسهل تشتيتها.

“يا ولدي .. ابنك خُلق من غير هذه التربه !” هكذا كان يقول جده الثمانيني لحفيده متحدثاً عنه ، كان أكثر من نصف قرن من الزمان كفيلا بإلغاء أي لغة مشتركة بين جدٍ قارب التسعين وبين ابن الحفيد. 

كان جده رجلاً مهيباً حكيماً مقدماً في القوم ، صِيته يتجاوز حدود عائلته الضيقة ، وبالمصطلح المعاصر الذي بخس الأشياء وجَرَّد ” الثَمَنية ” من ثمنها لم يكن الشيخ الثمانيني متعلماً ، صحيح أنه تعلم في الكتاتيب ولكن من يعتد بها في زمن يعدون من لا يعرف الحواسيب العجيبة أُمي! والذي لم يدرس دراسة نظامية ماذا يسمونه؟! 

ولكنه يُقرُّ أن جده كان ذا الحكمة وكان كبار القوم يصدرون عن رأيه ، الجد الثمانيني أو التسعيني -فهو قد قاربها – رجل درس الحياة جيداً ، درسها في أرقى جامعاتها ونال أفضل تعليم ، نشأ مُعدماً لم يعرف شكل ملاعق الذهب لأنه بالكاد يجد طعاماً ، شِبه يتيم، فوالده كثير الترحال ، وحين استقرَّ استقر لمرض أقعده ثم توفي والجد لم يجاوز الخامسة عشر من عمره ، كان والده يسافر من أجل جلب الرزق لأهله ، وفي فترة سفره كان الجد هو من يتولى البيت وهو لم يبلغ العاشرة من عمره ، كان يخرج مع والدته ويعينها إلى أن بدأ يستقل قليلاً عنها حتى كفاها أمرها ، فرجاها بلهجة آمره –أي والدته – أن تقعد هي في البيت وأن يخرج هو ، كان ذلك وعمره اثنا عشر سنة ، حكى لهم أنها تمنعت قليلاً واستصغرته وأشفقت عليه وأرادته أن يلعب مع الصغار ولكنه كان حاسماً ، حديث عهد برجولة ،  فلم يأبه لشفقتها به ، وهي حين جربته رأت فيه أنه ممن يعتمد عليه ، قوَّى موقفه عودة والده المريض وتباهيه بابنه الرجل .. وهكذا كانت بقية حياته.

 كثيراً ما كان جده يردد هذه القصة وما بعدها بعين دامعة على ابناءه ثم أبنائهم ثم الأحفاد وأحفادهم ، لا يحصي كم أجهش الجد بالبكاء مرات ومرات. الجد ” الأفلاطوني ” -كما أصبح يطلق عليه فيما بعد – جَدَّ وكافح ، نحت الحجر  وشقها فعلاً لا ادعاء ، صعد النخل ونزل لأعماق البئر ، صعد إلى السماء ونزل لأعماق الأرض من أجل حفنة دراهم أو لقيمات يطعم بها أمه وأطفالها الصغار.

التفت إليه “يا ولدي .. نحن خلقنا من تراب هذا الوطن حتى نحرثه ، فإذا حرثناه وتهيأ للزرع دُفِنَّا فيه ” كان في المجلس غيره فلم يستطع أن يقول : يا جدي .. لم نجد أرضاً نحرثها ولكننا وجدنا أرضا نقبر فيها!  

رآه جده يكثر التذمر مرة فأسرَّ إليه بطريقته الأخاذة: ” يا بني .. لا تعُقَ أرضاً هي أصلك وأنت فرعها ، منها خلقت وإليها تعود ” كان يعتذر لجده الأفلاطوني أن عاش أكثر عمره على ثنائية الوطن والتراب أما هو فلم يدرك تلك الثنائية إلا في قطعة نثرية أصبحت شيئا من تاريخٍ قد يوضع يوماً في قارورة أو صندوق يُمنع من تصويره! 

الجد الذي ينظر بعيني أفلاطون أنهى سداد قرض منزله بعد أن جاوز الستين من عمره ، وحين فُرض عليه التقاعد نثروا راتبه القليل على مائدة ذات خروق واسعة فتساقطت أجزاء كثيرة منه من تلك الخروق ثم أعطوه ما تبقى وقالوا راتب تقاعدي! 

قبل أن يودع جده ويودع جده الدنيا ذهب به إلى مستشفى المدينة شِبه الوحيد؛ فالناس تَفِد إليه من كل حدب وصوب ، ماطلوا الشيخ وأطالوا عليه، لم يجدوا له سريراً ، وحين أرادوا أن يجدوا له سريراً ضَربوا له موعداً بعد سبعة أشهر ، انحنى عليه الطبيب وقال: خذنا بعض التحاليل ، وبنوديها للمختبر، وبننتظر النتايج. رَدَّ الجد: يا وليدي، كل ما جيتكم خذتوا نفس التحاليل، ما كفتكم اللي أخذوتها مني الشهر الماضي؟ ضيعتوها؟ ترى ما اتحمل كل هذا، أنا رجال كبير. 

الطبيب: اعتذر منك يا عم، أنا ابتابع الموضوع بنفسي، وما يصير خاطرك إلا طيب، والحين خل الولد ياخذ لك موعد الآن، وابشر باللي يرضيك.

الجد: متى الموعد؟ 

الطبيب باستحياء : بعد سبعة أشهر!

الجد : سبعة أشهر! ما بقي في عمري سبعة أشهر!! الله يحسن الخاتمة.. الله يحسن الخاتمة!

 

خَرَائِطُ الإِحْسَاس” 
حكاية وطنٍ لم يَكتمل!
 
(2-2)
بقلم: عبدالرحمن الصبيح
 
 
 نظر إلى شيبة جده وإلى تجاعيد وجهه التي تداعبها أشعة الشمس بكل حُنُوّ ، أمال مرآة السيارة حتى يتأمل ظلال الشمس وهو يتنقل بين تلك التجاعيد التي عرفها جيداً. الساعة الثانية ظهراً ، والشمس تقسوا على الجميع إلا الجده ؛ فقد كانت حانية عليه ، اختصرت قطرة عرق انحدرت من جبين الشيخ القصة كلها ، قصة حياة عزفت لحنها الحزين أشعة الشمس وظلالها ، رأى أجمل لوحة حزينة يمكن أن يراها ، نظر إلى مكيف السيارة البائس الذي أعلن عجزه في تقديم مد العون للشيخ ، مَدَّ لجده منديلا أخذه بيد مرتعشة ثم أطلق تنهيدة عميقة حزينة ، و من دون أي مقدمات قال بصوت مرتعش: 
“يا ولدي .. الفرع لا يقول لأصله (أُف) ، ولكنه قد يَحجر عليه إذا رأى منه تضييعاً أو إضراراً بفرعه”
“كلٌ له حقوق وعليه واجبات، والواجبات تؤدى ما أعطيت الحقوق”
“الواجبات والحقوق تتكامل و لا تتناقض ، إن تناقضت أكلت بعضها ، وإن اكلت بعضها فَنيت، وإن فَنيت فَنِينا معها”
“يا ولدي، لو أساء إليك والدك فسيبقى والداً لك، وإن عَقَّكَ ابنك فسيبقى بضعة منك، يا ولدي تذكر هذا جيداً !”
كان كالمذهول وهو يستمع إلى جده، فهذه المرة الأولى و الأخيرة التي يبوح له جده بهذا البوح، وهي المرة الأولى التي تغلب فيها مشاعر الجد عقله، شعر أن لحديث الشيخ مذاقاً مختلفاً هذه المرة، لقد فعلت ساعات الانتظار الخمس فعلها، وآتت ثمارها، فقد أنطقت شيخاً طالما حرث التراب وتوسده وشَمه وتغزل به!
في آخر حياته الجامعية قابل موظفاً مُهْمَلاً في مكتبة الجامعة، لا يعلم تحديداً كيف نشأت العلاقة التي لم تستمر طويلاً؛ وهو ما ندم عليه مستقبلاً، كل ما يعلمه عنه أن عمله يقتضي منه أن يجلس في المكتبة وهو ما فهم منه الرجل أن المطلوب منه قراءة كتب المكتبة!
يقول إنه يعمل هنا منذ خمس عشرة سنة تقريباً، سأله إن كان ثَمة شيء لم يقرءوه في المكتبة. 
كان هدفه من السؤال ملاطفة من سيكون له دور كبير في البحث مستقبلاً ولكنه صُدِم حين أتاه الجواب: نعم! وكثير كذلك!! 
فغر فاه قليلاً، ولكن سرعان ما أتاه الجواب بإشارة من يعقوب -وهو اسم الرجل- إلى ركن قَصيٍ في المكتبة: هذا القسم لا أدخله ولا أقرأ حاضره ، ربما أتصفح ماضٍ منه كُتب خارج الحدود فقط، لأن ماضيه ما زال حاضراً. 
– أَيعقل هذا؟ أَلا تقرأ الصحف اليومية؟! 
– هذه الصحف صحف زور، ولا أريد أن أكون شاهد زور، على كل حال يأتينا منها كميات كثيرة، الرياضيون يطالعون الأخبار الرياضية التي شاهدوها بالأمس على الشاشة، والعقاريون وأصحاب التجارة يطالعون الإعلانات ، وحين يأتي “الفول” نفترش صحف الرياضيين التي انتهوا منها لأن أهل التجارة ظنينون بصحفهم. 
سكت قليلاً ثم أضاف: تصدق، مرة طالعت صحفنا الأثيرة فوجدتهم يتحدثون عن وطن تمنيت أن أزوره، وانجازات وأرقام، قرأت في الكتب: أن الأرقام لا تكذب، وهؤلاء جعلوها تكذب! ثم أردف بعناد: أنا غير مستعد لتغيير قناعتي التي أخذتها من الكتب من أجل صحيفة سَيَّارة! 
أثناء ما كان يحدثه عن بحثه ويرشده إلى المراجع دخل أستاذ جامعي كبير، كان مضرب المثل في الجامعة وخارجها لعلمه وسنه ومؤلفاته، ما أن رآهما حتى صاح : يا لسعادتي، أبا يوسف هنا!
– أهلا بروفيسور, مرحباً.
– حتى أنت تقول بروفيسور، إذاً رُفع العتب عن غيرك!
– كل يوم ستسمعني “تغريب الألفاظ العلمية” ما رأيك أن ندعهم يغربون الألفاظ ويعطوننا العلمية!
سلم عليه بحرارة، وحين رآى أوراق البحث قال ضاحكاً: يا أبا يوسف، أفسدت الطلاب علينا، ماذا تصنع!
استغرب تبسط الدكتور المهيب مع يعقوب –موظف المكتبة البسيط – ، فعلم أن له قدراً، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهله. قال يعقوب: هل ستكون معنا العام القادم بإذن الله؟
قال بأسف والحزن بادٍ على وجهه: للأسف لا، لم يتم التمديد لي ، قالوا إنتَ “شيبة” ويجب أن تتقاعد! … تصدق أن أحد طلاب طلابي هو الذي يقلب معاملتي بين يديه وهو من اتخذ القرار.. حتى لا أظلمه فهو يقول إن هناك مجلسا في الجامعة اجتمع وهو من قرر، ولا يخفى عليك أن جميعهم كانوا يوما طلاباً لي!
مرت لحظات صمت قال يعقوب بعدها : العلم –يا دكتور – لا يَعُقُّ حامله وإن ظن هو ذلك فيه ، أخلص إلى علمك و لا تمتهنه فسيخلص إليك ، أما تلك الأوعية التي يقال عنها إنها حاملة للعلم فهي الآن أكثر من يعق العلم والعلماء ويقول لهما أُف!
ابتسم الدكتور ابتسامة شاحبة وقال وهو يدخل إلى المكتبة: ما هذا التشاؤم يا أبا يوسف!
يعقوب: كذا أنتم أيها الأكاديميون ، ترفضون أن تقرءوا الكتاب من اليمين إلى اليسار! 
غادر المكتبة وعنده رغبة مُلحة أن يكون كيعقوب ، فقد ملأ عليه نفسه.
 كانت قد مَرَّت عِدة سنوات على السبعة أشهر التي لم يتمها الجد ، حين دخل البيت توجه لأرفف كان جده يضع فيها كتبه التي كان يطالعها بين الفَينة و الأخرى ، كان من بينها “كتاب التوحيد” و”رياض الصالحين ” وأجزاء مفرقة من “البداية والنهاية ” وكتباً تحوي بعض أشعار العرب وأمثالهم، لَفِت انتباهه أن من مصادر مكتبة جده الأصلية الكتب الموزعة مجاناً من دار الإفتاء أو وزارة المعارف كرسائل “سماحة العلامة ابن باز” و”معالم على الطريق ” ،  كانت كلها لم تكن تتجاوز عشرين كتاباً.
 دَقق النظر في الكتب ، رأى أحد أجزاء “البداية والنهاية” قد بان عليه أثر الاستخدام وغابت ألوانه وبَليَ غلافه، فعرف أن جده كان يكثر القراءة فيه، كانت قد مَرَّت عِدة سنوات على السبعة أشهر التي لم يتمها جده ، أخذ يستنشق عبير جده من أوراق التاريخ التي يقلبها، أخذ يفتش عن بعضه فيه. قرأ عن بعضه ما أذهله ، أفعلاً تلك الأسطر أصلاً له ، وهو فرعٌ منها ؟ انفتح الكتاب تلقائياً على الفتوحات الإسلامية ، إذاً هذا ما كان يكرر جده قراءته ، سقطت المدائن في يد المسلمين بطريقة تعجز هوليود عن تصورها ، وجدوا كنوزاً تعجز الرواحل عن حملها ؛ وفعلاً لم يستطيعوا حملها جميعاً! أرسلوا بالخُمس مع البساط العجيب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما نظر إليه قال : إن قوماً أدوا ذلك لأمناء ، ثم بكى وتأثر وحمد الله ثم التفت إلى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال : “أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي !” قبل أن تمسي!! وحين أُرسلت غنائم موقعة جلولاء بكى الخطاب؛ كيف خَصه الله بهذا الفتح دون محمد -صلى لله عليه وسلم-  وأبي بكر وهما أفضل منه وأكرم! أَهو استدراج؟! ثم “حلف عمر بن الخطاب أن لا يُجِنَّ هذا المال الذي جاؤوا به سقف حتى يقسمه ، فبات عبدالله بن أرقم وعبدالرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد!” 
حلم أم خيال، لا يريد عمر أن يُجمع المال تحت سقف حتى يُقسم! خَشي ان يحتفظ بمال المسلمين في بيت مالهم!
وجد في هامش الكتاب تعليق لا يدري من كتبه، فلا يظهر له أن هذا الخط الدقيق الأنيق خط جده، ربما يكون أملاه: 
“الناس في دولتي كسرى وقيصر يحومون حول العرش ويقيمون قوائمه ، والدولة في صدر الإسلام هي من تحوم حول الناس وتنحني لتشعل النار تحت قدورهم. لقد أحيا المسلمون سُنة كسرى وقيصر وتخلوا عما به أسطقوا كسرى وقيصر، ولله الأمر من قبل ومن بعد”  
وقف كالمذهول أمام تاريخه العظيم، أراد أن يفتش عن بعضه فيه ، فكانت النتيجة مخيبة للآمال..
هناك ما هو مزيف مزور.. إما هو … وإما تاريخه! 
بعضه الماضي ليس بعضاً منه، وهو ليس بعضٌ منه.. 
هناك من سرق حِلق التاريخ، فأين حلقات التاريخ المفقودة؟ 
في أي متحف هي؟! 
كان النص الذي قرأه في الهامش ينطق بأحاسيس جده، وفيه مشاعره التي غلبته يوم توديعه للمستشفى، أعاد قراءته وهو يتخيل خرائط الإحساس التي كانت ترتسم على جده حين يريد أن يعبر عن شيء لا يريد لأحد ان يطلع عليه.
 
 
عبدالرحمن الصبيح
 
الخميس 22/10/1434هـ

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s