مع أحمد ديدات: سَكْبُ الدَمعِ على «إظهار الحق».

 

غِبتُ عنكم كثيراً، وما هو هَجْرٌ ولا قِلى، ولكن قيدني الكسل وكبلني الفتور، وأجدها فرصة مواتية لأشكر كل من تواصل يسأل، ولعل العودة تكون مشرفة بإذن الله.
أثناء مطالعتي لكتاب «إظهار الحق» للشيخ العلامة رحمت الله بن خليل الكيرانوي لعثماني الهندي، مؤسس المدرسة (الصولتية) بمكة حرسها الله. كتب محقق الكتاب د.محمد أحمد ملكاوي على طُرة الكتاب  «أدق دراسة نقدية إثبات وقوع التحريف و النسخ في التوراة و الإنجيل، وإبطال عقيدة التثليث و ألوهية المسيح …الخ»، وقد قَدَّم للكتاب بمقدمة ضافية وافية تليق بحجم الكتاب، وحجم الموضوع الدقيق الذي تناوله، ومما ذكره وأطال فيه القصة الملحمية البطولية للمؤلف مع القسيس المبشـر (فندر)، الذي استغل علمه، وسلطته، واستعمار قومه لشبه القارة الهندية، وجهل المسلمين وبساطتهم، والأهم؛ ضعفهم وذلهم تجاه العدو المستعمر، استغل كل ذلك لبث سمومه، ونشـر دينه والسخرية بالإسلام والمسلمين والقرآن، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدي فندر المسلمين وسخريته بالعلماء والتعالي عليهم، والتباهي بكتابه «ميزان الحق» وأنه كتاب لا يمكن الرد عليه،  ورغم كل هذه الظروف القاسية، ظروفٌ سياسية، عسكرية،علمية، وعُدَّ ما شئت من هذه الظروف الكفيلة بكَسر أي إرادة.
 لم يكن الجو العام؛ جوَ علم وبحث، كانت الهزيمة والضعف سمة عامة للمسلمين، كانت مغالبة بالقوة لا بالحجة، بالقهر لا بالبرهان، رغم ملامح القسوة البادية في الصورة، يخرج الشيخ رحمت الله، فيتحدى كل الظروف والصِعاب، ما كان معه إلا الله وحده، وكفى به نصيرا ومعيناً، فيبرز الشيخ، و ليس معه سلاح إلا سلاح العلم فقط، كل الظروف تشير أنه مهزوم، وأن هذه المعركة غير المتكافئة ليست معركته، وأن ما يفعله مجرد عبثيات وهوامش يحاول خطها على خارطة الدولة العظمى التي لا تغيب عنها الشمس؛ انجلترا، ولكنه.. بعزم أكيد، وعلم راسخ، وتوكل متَيَقن، برز للمبارزة، وحصلت عِدة مواجهات ومناظرات، وكانت الغَلبة له في جميعها، حتى كانت الوَقعة الأخيرة، (المناظرة الكبرى عام 1270هـ)، قاصمة الظهر لفندر ومن معه، على إثرها انسحب القس من المواجهة، و لم يتم المناظرة، بعد أن وَبَّخه قومه، وكان قد شَهِد وأقر بانتصار الشيخ عليه؛ حين أقر له بوقوع النسخ والتحريف في التوراة، ثم أوقف المناظرة وهرب، ليس من المناظرة وإنما من الهند كلها! وكان يوما عظيما للمسلمين هناك.
أما الشيخ فلم يَمُر انتصاره على انجلترا مرور الكرام، فوُضع تحت المجهر، وبعدها بثلاث سنوات (1857م) اشترك في الثورة ضد الانجليز، وقوبلت الثورة بقمع شديد، وازداد القمع بعد فشل الثورة، ووضعت انجلترا ألف روبية لمن يدل على الشيخ رحمت الله، وصادروا أمواله –وكان من أسرة غنية- وباعوها، ومنعوا بيع كتبه، فاضطر للهجرة متخفيا من الهند، ووصل مكة عام (1278هـ/1862م) وأسس هناك المدرسة الصولتية.
أما صاحبه المخذول فندر، فلم تنته القصة معه، ويبدو أن الشيخ أصبح كابوساً بشعاً لفندر.
 أرسلت انجلترا فندر إلى ألمانيا وسويسرا وبريطانيا، ثم اختارته الإرسالية الكنسية ليكون في مقر الخلافة؛ اسطنبول، فرحل واتصل بالسلطان عبدالعزيز خان، وزَوَّر له أخبار المناظرة، وقصَّ عليه بطولات لم تحصل، ودعا مسلمي تركيا للاقتداء بإخوانهم الهنود الذين تحولوا للنصرانية، فدَهَمَ الهَمُّ السلطان، وركبته الغموم، فتطقَّس الأخبار، وأُخبر أن بطل المناظرة في مكة، فأرسل إليه، ورَتَّب له –بعد أن عَلِمَ خبره- مواجهة ومناظرة مع فندر، فما لامست أقدام الشيخ الأراضي التركية حتى أخرجت خَبثها، وفَرَّ فندر هارباً، والحمد لله رب العالمين.
تناوش قلم الشيخ رحمت الله (ميزانَ الحق) لفندر، في أكثر من كتاب، وبعد كل رد من الشيخ أو من غيره من علماء الهند كان فندر يغير في كتاب، حتى تعددت طبعات الكتاب، وأصبح لزاما على الرّاد أن يذكر الطبعة التي يرد عليها، ومن كتب الشيخ الذكية (معدِّل اعوجاج الميزان)، خصصه للمقارنة بين طبعتي الكتاب، و (ميزان الحق) هو أخطر كتاب لفندر، بل يقول محقق «إظهار الحق» د. محمد ملكاوي أنه «اخطر كتب المنصرين على الإطلاق».
يقول ابن الرومي:
لا تحقرنَّ سبباً … كم جَرَّ أمرا سُبيب
لقد كان فرار الجبان فندر، وعدم إتمامه المناظرة السالفة، أهم سبب لـ (إظهار الحق)، فبعد أن عَلِم السلطان شأن المناظرة التي قصها الشيخ عليه بمحضر من السلطان والعلماء بقصر الخلافة، طلبوا منه إفراد رد وافر على بقية المسائل التي لم يتطرقوا إليها، فألف كتابه فيها جميعا: (النسخ، التحريف، التثليث، أولهية المسيح، نبوة محمد صلى الله عليه وسلم)، وزاد فيه، وقد بدأه العالم الجليل رحمت الله في رجب عام (1280هـ/1864م) وانتهى منه في أواخر ذي الحجة من نفس العام.
ورَعت الكتاب وطبعته وترجمته ووزعته الخلافة العثمانية، وتمت محاربة الكتاب من النصارى، ومنعوا وصوله لأيدي النصارى، وكانوا يشترون جميع طبعاته، حتى علقت التايمز اللندنية: «لو دام الناس يقرؤون الكتاب هذا الكتاب لوقف تقدم المسيحية في العالم»، وحالياً تطبعه وتوزعه الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء في السعودية.
**
لا شك أنك أيها القارئ الكريم تسأل، أثناء مطالعتك للكتاب. ماذا؟!
أقول، لا تخف، لم أنسَ، أعود فأقول: أثناء مطالعتي للكتاب وقفت على نصٍ حَرّك مشاعري، وهزَّ كياني، وشعرت أثناء قراءته برعشة، وهو لـ (رحمت الله) القرن العشرين؛ الشيخ أحمد ديدات رحمه الله، يقول:
 «ولا بد أن القارئ، إذا كان ذا ذهن منفتح، أن يكون قد اقتنع الآن أن الكتاب المقدس ليس كما يدعي أتباعه من النصارى، وخلال أربعين سنة يسألني الناس كيف لي كل هذا العلم بالنصرانية وكتابها، وبصراحة فخبرتي في اليهودية والنصرانية ليست من اختياري بل قد أُرغمت أن أكون هكذا.
الإثارة المبكرة:
عندما كنتُ أشتغل مساعد بائع عام 1939م بجانب معهد لتخريج الوعّاظ، كنت وأصدقائي هدفاً دائماً لخريجي هذا المعهد، فلم يكن يمر يوم لا يضايقنا فيه هؤلاء بإهاناتهم للإسلام والنبي والقرآن.
وقد كنت شاباً حسّاساً في العشرين من عمري، فكنت أقضي ليالي عديدة ساهراً أبكي لضعفي وعدم قدرتي على الدفاع عن النبي عليه الصلاة و السلام، وهو الذي أُرسل رحمة للعالمين، وقررت دراسة القرآن الكريم والكتاب المقدس والكتب التي تتحدث عنهما، واكتشافي لكتاب «إظهار الحق» كان أول خطوة في تغيير مجرى حياتي، وبعد فترة كانت لديَّ القدرة على أن أدعوا أولئك الوعّاظ للمناقشة وأحرجهم بالحقائق المعروضة مما اضطرهم لاحترام الإسلام ونبيه[1]».
 مشهد ديدات الوجداني، مشهد كثير من شباب المسلمين، الذين لا يجدون إلا البكاء والدموع للتعبير عن غضبهم وقهرهم المكبوت تجاه الإساءة لدينهم وقرآنهم ونبيهم، بل وربهم سبحانه.
 يا الله!
ضعفاء، مساكين، لا يملكن إلا إيماناً فطرياً، في أغلب الأحيان، يكون إيماناً غير مبرهن، ومع هذا يرفضون الانصياع للبراهين الخدَّاعة، ويأبون الانكسار للآلة الإعلامية والعسكرية و السياسية المتوحشة، ويأبون الرضوخ  والاستسلام للدلائل التي تقدم على أطباق المدنية الخلَّابة، كم هم الشباب الذين ينزوون على أنفسهم، ويلتحفون بدموعهم، ويتطلعون حولهم في عالمهم الثالث؛ بَلْه العاشر، فلا يرون إلا التخلف والفقر والظلم والقهر، بل والقتل!
ضعف وخوف وإرهاب وتخلف، لا شيء في زمن الماديات يغري بالتمسك بهذا الدين، ومع هذا، ومع هذا! ومع هذا يبكون، ويبكون، ويبكون، ثم يمضون ولا يبالون بكل هذا، فالموعد جنة الآخرة لا الدنيا.
ما لم يسكب الشباب دموعهم كما سكبها الشيخ أحمد ديدات –رحمه الله- على (إظهار الحق) على أخضبه، فأورق علماً وهمة، ونصرة للإسلام.
أيها الشباب..
ما لم يكن البكاء و القهر سبباً، وكم جَرَّ أمرا سُبيب، فلن تطردوا ولا فندرا واحداً، ولا نصف فندر، أما إن بكيتم كما بكى ديدادت وغيره فستطردون (فنادير) كثيرة.
ليس لنا –أيها الشباب- إلا كلمة الحق، هي قوتنا، وهي نداء إبراهيم عليه السلام من وادٍ غير ذي زرع عند البيت المحرم. جَرَّد الله (كلمته) من الماديات والحضارة، والنهر و الزرع، لنتعرف على قوتها، ولنَنْكَبَّ عليها –هي- من دون عوامل مؤثرة، ولا شواغل صارفة، فإذا عرفنا سر تلك الكلمة العارية من كل زينة مضافة، لأن زينتها فيها، والذي يزين الناقص، أما التام، وكلام الله تام، لا يحتاج إلى من يزينه.
لم يُجرِدها الله عجزاً، ولا بخلاً، وإنما لحكمة أرادها، ومن أراد تلك المُتَع، فإن الله سيكسو الأرض مروجاً و أنهاراً في آخر الزمان، ولكن بعد أن يَضعف الدين، وتوشك كلمته على الارتفاع.
وأجد لزاماً عليَّ، ما دمت فتحت طُرة «إظهار الحق» أن أختم بالقسم الذي حَمَلني إياه مؤلفة الشيخ رحمة الله، حيث كتب على صفحته الأولى:
«أقسم بالله على كل من أبصر خطّي حيثما أبصر أن يدعوا الرحمن لي مخلصاً بالعفو و التوبة و المغفرة»
فاللهم اغفر لعبدك الشيخ رحمت الله وأسكنه فسيح جناته، واقبل توبته و اغسل حوبته، واجعله رفيقا لأنبيائك الكرام، محمد وعيسى وسائر أنبيائك عليهم الصلاة و السلام.
 
عبدالرحمن الصبيح
20/7/1436هـ
[1] مقدمة (إظهار الحق) 92، للشيخ العلامة رحمت الله الهندي، وجميع النقولات والمعلومات عن الكتاب من المقدمة.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s