عقليات الرافعي

أثناء تصفحي لرسائل شيخ الأدباء، وأستاذ الفصحاء، العالم، مصطفى صادق الرافعي رحمه الله للمقبوح المرذول الأبتر، عليه من الله ما يستحق، أطربتني رسالة عنوانها (وحي القرآن باللفظ والقراءات)، سَطَّرها يراع الرافعي لقلب لا يعقل وأذن لا تسمع وعين لا تبصر، أعني المرذول أبا رَيَّة! ولأن حق النكرة أن يبقى نكرة، فإنني لن أذكر اسمه مرة أخرى، ويكفيه إشارة تزيل الإبهام، لأن حقه ألا يُذكر ولو للذم!!

كان المقبوح  يسأل: هل القرآن وحي بلفظه أم معناه؟ ولا إشكال من سؤال المسترشد ابتداء. فأجابه الرافعي جواباً وافراً زاخراً، ذا متعة وبرهان، فأحببت أن استلَّ ما احتج به، بحرفٍ دون حرفه رحمه الله.

وقبل الشروع فيما عزمت الشروع فيه، أقول: كان المرذول زنديقاً، فاجراً، أخمد الله ذكره، اشتغل بالمروق عن الإسلام، ومحاربة دين رب الأنام، ومبارزة الله ومعاندة رسوله صلى الله عليه وسلم، والطعن في سنته، والنيل من صحابته، وأكثر ما نالت سهامه الطائشة أبا هريرة رضي الله عنه، وأنَّا تصيبه! والشاهد أن هذا الزنديق المتأكل على مائدة الرافعي لا قيمة له في هذه الدنيا، ولعل الله خلقه ليستخرج لنا كنوز الرافعي المخبوءة، وينثر لنا بعض ما حوته جعبته من فصيح الكلام وثاقب الفكر، لننتفع بها نحن، لا هو! ولله في كل شيء حكمة! لأنه سبحانه لا يخلق شراً محضاً.

كتب الأبتر كتاباً مرذولاً أسماه (أضواء على السنة المحمدية)، سَلخ فيه شُبه المسترقين وزاد عليها، ولم يرَ رذيلته هذه تستحق الحياء، وكتاباً خصه للنيل من راوية الإسلام، أبو هريرة، وقد ردَّ عليه جمع من العلماء، منهم العلامة المعلمي في الأضواء الكاشفة وغيره. وهو في كل ما كتب جامع للنفايات والمزابل لا منتجٌ لها.

وقبل مروقه وزندقته، كان يقتات على مائدة الرافعي ويعده شيخا له، وكان الرافعي يأنس برسائله، يوضحه: أنسٌ وودٌ نثره الرافعي من خلال رسائله، ولكن كانت بذور المروق والزندقة مغروسة بادية من تحت سطور الرسائل، وكان الرافعي يعاتبه وينصح له.

ومن ذلك هذه الرسالة التي تقدم عنوانها (ص59)، قَدَّم لها الأبتر بمقدمة ذكر فيها أن لفظ القرآن مختلف فيه بين فِرِق المسلمين، وأنه فَزِع لشيخه، شيخ البلاغة، الرافعي لعله يجد عنده شيئا، ولكنه لم يجد، رغم إقراره بقوة حجج الرافعي، فما زال في نفسه منه شيء!

في بداية الرسالة عاتبه الرافعي حين لم يُصل على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا سوء أدب لا يقبل به ولا يقره، ثم أردف قوله: «وأنت حين تقول في كتابك (إن الألفاظ ألفاظ محمد) لا تكاد تمتاز عن رجل مظلم القلب نعوذ بالله من هذه الظلمة فانتبه إلى ذلك واستغفر الله لنفسك»، ولو عاش الرافعي لرأى عجباً من هذا المرذول!!

كيف عالج الرافعي هاتين القضيتين (اللفظ) و(القراءات)؟ 

نبدأ باللفظ، هل القرآن وحي بلفظه أو معناه؟ يقول:

* لو يكن وحياً بلفظه لبطل إعجازه، لأن الإعجاز لا يكون إنسانياً.

* يَرُدُّ أن لفظ القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تعتريه حالة روحية ينزع فيها من عالم الحس، تُسمى (بُرَحاء الوحي)، كما ورد في البخاري وغيره، وهي حالة شديدة، يثقل فيها صلى الله عليه وسلم، ويتصبب عرقاً، ثم يفيق فيؤدي ما أوحاه الله إليه. وهذه الحالة التي تنزل به صلى الله عليه وسلم، فتأخذ من روحه وجسده؛ لا يمكن أن يبقى للإنسان فيها فكر ووعي يؤلف به نَسَقا من كلام، لأن التأليف جهد عقلي، وهو غير ممكن في هذه الحالة.

* لو كان منه صلى الله عليه وسلم لوقع التفاوت في أجزاءه، ولظهر أسلوبه فيه.

* ولو كان منه صلى الله عليه وسلم، لم يكن هناك حاجة لنزوله آية فآيتين إلى عشر.

* قال: «من أجل ما بينت لك جزم العلماء كلهم أنه لم ينزل شيء من القرآن مناماً، لأن النوم حالة يستوي فيها الناس بتجرد أرواحهم».

* وأما القراءات، فهي أدعى للإعجاز، «لأن مُلهم اللغة ومقسمها في ألسن العرب على اختلاف قبائلهم أنزل ألفاظ القرآن بطريقة يمكن لهذه الألسنة على تفاوت ما بينها أن تتلوه. ومن المعلوم أن العربي يَجْمُدُ على لغة واحدة، وبعض العرب لا يستطيع أن ينطق بغير لغته مطلقا».

ثم سأل سؤالاً عجيباً لا يتوصل إليه المرء إلا بتوفيق من الله سبحانه، قال: «فمن من العرب كان يستطيع أن يؤلف لكل القبائل كلاماً واحداً لا يعسر على ألسنة قبيلة من قبائلهم إلا أن يكون في الناس يومئذ إله لغوي!؟».

وهذا المعنى الدقيق، بهذا اللفظ، وهذه العبارة، لم أجده إلا عند الرافعي، حتى كتب القراءات التي اطلعت عليها لم أجد فيها هذا المعنى، وإن كانوا يحومون حوله، ولكنهم يربطونه أكثر بالرسم العثماني، وأنه رَسمٌ تقرأه جميع الألسن بلغتها، لذا؛ كان من شرط القراءة الصحيحة موافقة الرسم العثماني، وهذا من أفضل و أيسر الأجوبة العقلية لفك طلسم تعدد القراءات، والذي لم تستطع بعض العقول إدراكه، واكتفت بالتسليم، وهو خيرٌ ولا شك من الجري في مضمار الشكوك.

ثم يعود الرافعي ليؤكد أن هذا المعنى من الإعجاز أدركه العرب الأوائل، وغاب إدراكه عمن بعدهم، لأن العرب تكاد تُجمع على لغة واحدة الآن. وظهر تحقق الإعجاز في القراءات لأصحاب الألسن المعوجة، كالمغاربة ونحوهم.

ولكنه رحمه الله، نظراً لتوحد العرب على لغة واحدة، لا يستحسن أن يقرأ الناس بالقراءات؛ إذا لا حاجة لها اليوم، وهذا الرأي لا يُوافَقُ عليه، لأن القراءات لا تقتصر فائدتها على تسهيل التلاوة فقط، بل فائدتها تتعدى للأحكام، وتفسير القرآن. ثم إن الله حين أنزل القرآن أنزله على سبعة أحرف، وأحد أحرفه السبعة القراءات [ليس لتوافق الرقمان (سبعة) في الأحرف والقراءات دلالة سوى المصادفة]، فليس لأحد حق مهما بلغ، أن يلغي أمراً اختار الله نفاذه، ويزعم أنه لا حاجة إليه، لأن الله أعلم بما يصلح حال الناس. وكما تغير لسان العرب سابقاً؛ قد يتغير لاحقا كذلك، ولو هَجَر الناس القراءات، لعدم الحاجة إليها، فكيف سيقرأ من سيأتي بعدنا كتاب الله؛ إذ هو لا يناسب ألسنتهم؟ ومعلوم أنه على مدار 1400 الماضية، شاعت بعض القراءات، ثم كانت الغَلبة لغيرها، فلو أنه كلما ما شاعت قراءة أو لسان، ألغينا غيره، لكنا الآن بلا لسان ولا قراءة!

والظن بشيخ الأدباء، الرافعي، أنه لا يريد هذا المعنى، وإنما يقصد، أنه ما دام توحَّد الناس على قراءة واحدة، وفيهم العالم والجاهل، والمثقف والعامي، فلا داعي لتشتيتهم والتشويش عليهم، وهذا معنى محمود. ومعلوم أن القراءات من علوم الخاصة لا العامة، وقد يكون تحديث الناس بها، تحديث بما لا تدركه عقولهم.

* ومما تستملحه النفوس، وتطرب له أفئدة العُشَّاق، أن شاطبية الإمام الشاطبي (حرز الأماني) من أكثر الكتب خَطاً، وكما نشاهد الآن لافتات (أكثر الكتب مبيعاً)، فإن شاطبية الشاطبي من أكثر الكتب خطاً! وهذا أمر عجيب، لأنه كتاب خاصة الخاصة، لا يناله إلا قاصد، ومع هذا اعتنى به العلماء والقراء عناية فائقة، وأصبحت مَقصِد ومحل عناية الكثير، حتى وُجد في مكتبة المُطرِز الكُتبي (ت749هـ) ألف نسخة! وهذه يمتلكها شخص واحد فقط!! فكيف ببقية الناس؟! وعثر على آلاف النسخ المخطوطة سواها عند غيره. ولست أعرف كتاباً سواه –خلا الوحيين- حَظَي بهذه العناية. والخَط ليس الطباعة، فتنبه!

بل تجاوز الأمر جمع نسخها إلى حفظها، وتستغرب إذا علمتَ أن حفاظها يصعب عدهم، وفي يومنا هذا يُسَمِع الشاطبية –يومياً- في الحرمين مئات وربما آلاف الحُفاظ [تعداد المنتظمين في حلقات المسجد النبوي في شتى العلوم يجاوز اثنا عشر ألف منتظم قبل أربعة أشهر، وربما زاد العدد الآن!]، ويجلس لإقرائهم إياها عشرات أو مئات العلماء! وليس هذا لمتن سوى «حرز الأماني ووجه التهاني». ولا يدرك قيمة هذا التأكيد إلا من طالع حِرز الأماني!

الحق واحد لا يتعدد، ولكن مذاهب الناس في التوصل إليه قد تختلف، فمنهم من ييسر الله سلوك طريقٍ مُذلل، ومنهم من لا يتوصل إليه إلا بعد لأيٍ وجهد، وتجارب، وكَدٍ ومعاناة، ومنهم من يكفيه الدليل، ومنهم من لا يَقنع إلا بشيء من البرهان العقلي، ومنهم من تكفيه القدوة والتقليد، ومنهم من لا يَقنع إلا بالبحث و التقصي. تَعدُد الطرق لا يعني تعدد الحق، والنتيجة الصحيحة ليست دليلاً على أن الطريق المسلوك صحيح، عند الترمذي: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». 

إلا أن من تبع أدوات فنٍ، فإنه –غالباً- ما يوافق أصحاب، بل رموز ذات الفن والعلم دون ما اتفاق سابق منهم؛ لصحة الطريق الموصلة، حتى أن من ينظر للرأيين يجزم أن أحدهما نقل عن الآخر، بينما قد يكون كل منهما لم يسمع عن الآخر مطلقاً. وأوضح ما يتضح هذا في علوم الشريعة، قد يجتهد الناظر، وبعد مدة يكتشف أنه وافق عالما لم يكن اطلع على قوله من قبل. بل قد يجتهد ناظرين فيتوصلا لحكم واحد مع اختلاف عِلل الوصول، وهذا كثير جداً بين العلماء، حيث تجد فريقين يحرمان أو يبيحان أمرٍ ما، وعلل كل واحد منهما مختلفة عن الآخر، فقد يكون فقد يكون أحدهما اعمل الأثر، والآخر أعمل القياس، والصحيح والأكمل من يُعمل النص والقياس وبقية طرق الاستدلال الصحيحة.

والله أعلم.

 

عبدالرحمن الصبيح

15/8/1436هـ

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s