مَشْهَدُ البراءة

 

1- عن أبي هريرة، عن النبي e، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبدٌ ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك ». [متفق عليه].

(اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، يا عبدي! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك ولا أبالي! يا عبدي! لو أعطيتك الدنيا وأمثالها، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبدي! أتستكثر علينا المغفرة، وذنبك لا يضرنا ولا ينقص من سلطاننا شيئا، وطاعتك لا تنفعنا ولا تزيد من سلطاننا شيئاً.. لو أتيتني -يا عبدي!- بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، غفرت لك، ولا أبالي!

2- فمن هو هذا العبد الذي يستحق كل هذا؟

هو: من أقرَّ بالذنب، وتاب منه، ولم يتحايل عليه، تجده صغيراً حقيراً أمام ربه عز وجل، يستحيي أن ينظر إليه.

3- والنار محاطة بالشهوات، رآها جبريل u فقال: يوشك ألا ينجو منها أحد!  ولم يكلفنا الله بعدم الذنب مطلقا، ولو كلفنا هذا ما أطقناه، ولكنه أمرك إذا غلبتك نفسك أن تقف بعد قضاء وطرك عند الفِكرة بعد زوال السَكْرة وتصيح: قف! أتدري ما فعلت، وأي ذنب اقترفت؟! وتنوح بباب الله كسيراً ذليلاً، تَطْرُق باب الله: أَيْ رِبِّ، اغفر لي! وفي نيتك ألا تعود. وا فضيحتاه! من ذنب ضَجَّت منه الملائكة والسموات والأرض والجبال والوَحش والبحار، كلهم يستأذن رب العزة والجلال أن يطبقوا عليك.

4- قال شيخ الإسلام: «وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة، فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة، فيَحكمُ في الشيء خلقا وأمرا بحكم مثله، لا يُفرق بين متماثلين، و لا يسوي بين شيئين غيرِ متماثلين، بل إن كانا مختلفين متضادين لم يسوِّ بينهما» [الفرقان في بين الحق و البطلان 215].

ومما فرَّق الله سبحانه بينه: فاعل المعصية والداعي إليها، فجعل لهذا خطاب، ولذلك خطاب، ولهذا عذاب وذاك عذاب، ولا يصح بحالٍ جعلهما بمكان واحد، أو مخاطبتهما بخطاب واحد، أو مخاطبة هذا بخطاب هذا، والعكس. قال تعالى في حق الداعين : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال في حق العاصي المسرف: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

6- لا ينبغي للخطيب والمُذَكِّر أن يخاطب المذنب بخطاب الداعي إلى المنكر، وليكن خطابه مزجاً بين الوعد والوعيد كخطاب الله في قوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ، ويُغَلِّبَ جانب الترغيب والرحمة، فإن رحمة الله سبَّاقة، قال u : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» [البخاري 7554]، فسبحان من استوى على أوسع مخلوقاته بأوسع صفاته! ولا يكثر التقريع؛ فإنه إن زاد أصبح تأييساً،  ويفتح باب الأمل، ومن أحسن قولاً وألين خطاباً من الله وهو يضيف عباده المسرفين إليه، وينهاهم عن القنوط من رحمته {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

7- إذا تبين هذا الأمر، فلابد من الأخذ على أيدِ الدعاة الذين يخلطون بين المقامين، مقامٌ قنَّط فيه الناس من رحمة الله بتشديده، ومقامٌ خفف فيه من حرارة المعصية في النفوس بتطبيعه مع الدعاة إلى الفاحشة، فبعد أن كانت نارا محرقة، جعلها بردا وسلاما، وإظهار الاحترام لمن لا يستحقه، ويا لَلْهوان، إن كانوا –وهو الواقع!- لا يُظهرون ذات المشاعر لأهل الخير، ويخصصون البرامج، ويُسَخِرون آلاتهم الإعلامية للنيل منهم! واعلم أن أمْكر حيل رسل إبليس الخلط بين الخطابين، فيختطفون خطاب العامة، يزينون به دعوتهم، ويوهمون سائر الناس أنهم مخاطبون بما زجروا هم به، تنفيراً للناس من الموعظة والتذكير ببناء حُجُبٍ تحول بينهم وبين من يذكرهم، ويعينهم من حيث لا يدري داعية لم يفقه فقه التوجيه، والله المستعان!

8- مشهد البراءة، مشهد الخاتم، به يُسدل الستار. جهنم وما أدراك ما جهنم! تكاد تميز من الغيظ، لها زفير وحميم  يتلهب، وأصوات مرعبة تخلع القلوب اختلطت ببعضها ، شهيق وزفير، وحِممٌ لو ألقي منها قطرة على الدنيا، جعلتها حميما! وهؤلاء… هؤلاء الكُبراء المتبوعون قد سَبَقوا إليها دون غيرهم، يتصايحون، يستجيرون، يجوعون، فالضريع والزقوم طعامهم، يعطشون، فالعين الآنية سقائهم، قطَّع الحميم أمعائهم، وفيما هم مشغولين بأنفسهم، إذ بالضعفاء والأتباع يَفِدون عليهم {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} رأوهم –وهم الكبار!- يَرسفون في أثواب الذل والمهانة، والسلاسل والأنكال قيدهم. فيتصايحون ويختصمون {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ}، وتعلو أصواتَهم تغيظُ النار وزفيرها، ويُحدثوا فيها جَلبة عظيمة. قال ابن كثير: «{حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} أَيِ: اجْتَمَعُوا فِيهَا كُلُّهُمْ، {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ} أَيْ: أُخْرَاهُمْ دُخُولًا -وَهُمُ الْأَتْبَاعُ -لِأُولَاهُمْ -وَهُمُ الْمَتْبُوعُونَ -لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ جُرْمًا مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، فَدَخَلُوا قَبْلَهُمْ، فَيَشْكُوهُمُ الْأَتْبَاعُ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيِلِ»، فيستعدون رب العزة والجلال على كبارهم:  {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} ، فيتبرأ {الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}.

وأبلغ وصف لمشهد البراءة قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

ويُسدل الله الستار بقول الله: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} ، {لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}.

ولكن لا تعلمون!

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s