تنبيه على وهم ابن تيمية في عزوه للمذهب في زكاة العسل

 
قال ابن تيمية عن أحمد: ” ويوجبها -أي أحمد- في العسل لما فيه من الآثار التي جمعها هو ، وإن كان غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة” [القواعد النورانية 141] وهو في الفتاوى [25/ 42].
وزكاة العسل ثابتة في مذهب أحمد، قال المرداوي : هي من مفردات المذهب، وهو غير صحيح كما سيأتي، إلا أن ابن تيمية وهم في نسبته لمذهب أحمد في العسل؛ فهو -كما تبين- قال: “يوجبها”، وفي الفتاوى [25/ 18] قال: “واختلف هل في العسل زكاة؟ فكان فيه الخلاف بين أهل المدينة، فرأى الزهري أن فيه زكاة، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة واصحابه…، وعند مالك والشافعي وأحمد لا زكاة فيه”، والثابت عن أحمد القول بوجوبها، وهو المذهب، وعليه فلا وجه لقول ابن تيمية أن أحمد ومالك والشافعي يرون أنها لا تجب، ولعل شيخ الإسلام رحمه الله وهم في عزو هذا القول لأحمد.
قال ابن قدامة:
“ومذهب أحمد أن في العسل العشر” [المغني 4/ 183]
وليس في المذهب إلا رواية واحدة، قال المرداوي:
” هذا المذهب رواية واحدة، وعليه الأصحاب وهو من مفردات المذهب” [الإنصاف 3/116]، وما ذكره ابن مفلح في الفروع هو تخريج منه على المذهب وليس رواية عن أحمد، وقد بحثت فيما استطعت الوقوف عليه من كتب الرواية والسؤالات  فلم أجد من ذكر أن للإمام أحمد قولاً أو رواية منصوصة بعدم الوجوب ، مطلقاً ، وبحثت في كتب فقه المذهب والخلاف فلم اعثر على من أشار للرواية الأخرى في المذهب مطلقاً بالرغم من مخالفة بعضهم للإمام في المسألة، ومن أتى بعد ابن مفلح كالمرداوي مثلاً يحيل إلى ابن مفلح لا قبله، ولعل ابن مفلح هو أول من خَرَّج هذا القول في المذهب، وهو يرى أن الزكاة لا تجب في العسل.
والقول بعدم وجوبها هو الأليق بمذهب أحمد وأهل الحديث لعدم الدليل الصحيح الصريح، قال البخاري ” ليس في زكاة العسل شيء يصح” [فقه السنة 1/433]، ومرَّ قول ابن تيمية المتقدم ” لما فيه من الآثار التي جمعها هو ، وإن كان غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة “.
وقول المرداوي في الإنصاف: “هذا المذهب رواية واحدة، وعليه الأصحاب. وهو من مفردات المذهب” فلا يُسلم للمرداوي إلا إذا كان يقصد به فروع المسألة لا أصلها؛ فهذا من مفردات المذهب، ولا أظنه يقصده، وأما أصل المسألة؛ زكاة العسل، فيوجب الأحناف فيه الزكاة، وهو المعتمد من مذهبهم، قال الكاساني ”  وجوب العشر في العسل مذهب أصحابنا – رحمهم الله “، [بدائع الصنائع ٢/٦٢]، وهم لا يشترطون فيه نصاباً “يجب العشر في العسل وإن قَلَّ” [رد المحتار 2/ 325] والحنابلة يشترطون. وانظر: المغني والمحلى وبدائع الصنائع للكاساني الحنفي وما ذكره ابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
وجماهير الفقهاء والمحدثين ومتأخرو المذاهب يرون أنه لا زكاة في العسل، وليس هذا مجال بسط الأدلة، وإنما التنبيه على اضطراب عزوَيَّ شيخ الإسلام ابن تيمية اسبغ الله عليه شئابيب الرحمات.
وقال المذهب بالزكاة فيه لأثر صح عند أحمد ولم يصح عند غيره كما قال ابن تيمية فيما تقدم، وهو مخالف للقياس، قال المرداوي: “وقد اعترف المجد: أنه القياس، لولا الأثر، فيقال: قد تبين الكلام في الأثر” [الإنصاف 3/ 117].
والله أعلم.
عبدالرحمن الصبيح
13/ 2 /1435هـ
* نُشر في صيد الفوائد: