تقويم الدرس القرآني

فإن الدرس القرآني يقوم على أركان، الأول: المعلم، وهو أهمها، وليس المقصود بالمعلم الذي يجيد إدارة الصف وابتكار وسائل التعليم ونحو ذلك، بل المقصود إجادة القراءة وفق الأصول التي قررها أهل الفن، ولا يكفي اعتماد المعلم على الوسائل التعليمية، وذلك لأن أُذُن القارئ مرهفة حسَّاسة، تستطيع الوقوف على الخطأ وتقويمه، ومن لم يرقَ المدارج لن يستطيع تبصر مواضع الخلل. وممارسة المعلم الإقراء تعينه أيَّما إعانة على تقدير خطأ ومستوى الطالب والتدرج معه.
والمعرفة النظرية المعرفية لا تكفي، لأنها مهارة تكتسب، يجب ترويض اللسان عليها، ولا يكفي أن يُقَيِّمَ الإنسان نفسه. وما زال القراء الكبار يعرض بعضهم على بعض، لا سيما إن أراد تسجيل المصاحف المُحَكَّمة.
وللأسف، باستثناء مدارس تحفيظ القرآن والأقسام القرآنية في الجامعات فإن تعليم القرآن دون المأمول، ويعتبر تعليما متخلفا جداً مقارنة بالمقارئ المتخصصة في المساجد. وليس من السائغ عند أحد أن يرسب طالب في مادة القرآن الكريم لأنه لا يعرف التلاوة وليس الحفظ!
فإذا لم يحقق المعلم موضع القدوة من نفسه، بعدم إجادته للتلاوة، أو عدم حفظه للمقرر، فكيف سيحققه في الطالب، وفاقد الشيء لا يعطيه!

الثاني: العملية التعليمية: قِوَامُها أمران:
١- الاستماع: لن يستطيع الطالب القراءة ما لم يُحسن الاستماع، وحسن الأداء وحسن الاستماع مقرونان في قَرَن، لأن القرآن يؤخذ بالتلقي، ولابد لحسن الأداء من مثال سابق يقيس عليه. فيجب أن يُكثِر الطالب الاستماع للقراء المتقنين كثيراً، في البيت والمدرسة، ويُخْتَارُ لذلك القراء المتقنين والمصاحف المُحَكَّمة ويبتعد عن تلاوات الصلوات ما أمكنه ذلك. ويُخطئ بعض المعلمين حين يدل الطلاب على قارئ غير متقن، يتلقى عنه اللحن دون الضبط.
٢- الأداء: وهو أن يُطيل الطالب التلاوة، ويكرر ذلك، حتى يعتادَ قراءة المقاطع الطويلة، أما قراءة الأسطر فلا تفيد الطالب كثيراً، ويخرج من الصف كما دخله أول مرة.
يجب أن يقرأ الطالب نصف وجه على الأقل، والأفضل أن يقرأ وجها كاملاً أو اثنين. والقرآن يَلِينُ على اللسان بقدر ما يكرر الإنسان.
ويفقد القارئ المتقن لياقته، ويشعر بوحشة القرآن على لسانه إذا تباعد إمراره عليه، فكيف بمن هو دونه ممن هو عليه شاقٌ لا يكاد يبين؟ وسِرُّ رشاقة حروف بعض القرّاء -فيما أَحْسِبُ- كثرة جهره بتلاوة القرآن، فتنساب الآية خفيفة، لينة، سهلة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وإن أراد القارئ أن يطور أدائه، فلا بد أن يكون له ورد شِبْهُ يومي، يقرأ فيه بصوت عال، قراءة محققة، بخلاف ورده اليومي المعتاد، فمن الناس من لا يفارق مصحفه يده، ويتلجلج إذا رفع صوته أو قُدم للناس، لأنه يقرأ مخافتة.
وتعجب من الدرس القرآني من درس لا يقرأ فيه الطالب، ولا يُمَرَّنُ على النظر في المصحف. وكنت أول العام إذا أوقفت الطالب لخطأ، نظر إليَّ ويقول خَرْصاً احتمالات الصواب، فنهيتهم عن ذلك، وأقول: لماذا تنظر إليَّ؟ هل أنا المصحف!
ويبدأ المعلم أولاً بضبط الكلمات والحركات، وهما شيء واحد لا ينفكان عن بعضهما، ثم مخارج الحروف، وتُقَدَّرُ بحسب مستوى الطالب. وتحقيق الحرف من مخرجه أهم أركان القراءة الصحيحة، لأن الجُمَلَ مكونةٌ من كلمات، والكلمات مكونةٌ من حروف، ولا تقام الكلمة إلا بإقامة الحرف على وجهه، فتتشكل من الكلمات الجُمَل الصحيحة، التي هي الآيات القرآنية.
ويرى ابن الجزري أنه أول ما يجب أن يُبدأ به في التجويد، قبل أحكام النون والميم الساكنتين، يقول:
وَبَعْدُ إِنَّ هَذِهِ مُقَدِّمَهْ … فِيمَا عَلَى قَارِئِهِ أَنْ يَعْلَمَهْ.
إذْ وَاجِبٌ عَلَيْهِمُ مُحَتَّمُ … قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوَّلاً أَنْ يَعْلَمُوا.
مَخَارِجَ الْحُرُوفِ وَالصِّفَاتِ … لِيَلْفِظُوا بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ.
وفي الأداء القرآني مهارات ومحسنات يمكن للطالب رؤيتها في المصحف، كالشدَّات والمدود، فيبدأ بها لسهولتها، ويشعر الطالب بالإنجاز إن أتى بها، وسيلحظ تطور قراءته بشكل لم يتوقعه، فهو الآن يقرأ كما يقرأ القرّاء الكبار، والأمر ليس صعبا كما كان يتصور، ورأيت بعض الطلبة لما جرّب المدَّة والشدَّة بدأ يتجرأ على الترتيل.
ومن الأخطاء في العملية التعليمية، الفِصام النكد بين التلاوة والحفظ، ولست أدري كيف يمكن أن يحفظ طالب لا يجيد التلاوة؟! والطالب إن عرف تلاوة صفحة واحدة، أو سورة واحدة على وجهها كان بإمكانه تلاوة القرآن كله.
طلبتُ طالباً لتقييم التلاوة فتحجج بعدم الاستعداد لعدم العلم، فجعلتها حجة عليه أنه لا يعرف التلاوة، لأن التلاوة مهارة تكتسب، لا تحتاج إلى استعداد، أما الحفظ، فيحتاج إلى مراجعة.
ومما يؤسف أن يطرح بعضهم بحسن نية، الأهم التدبر، والفهم…الخ، وهذا راجع لعدم إدراك وظيفة الدرس القرآني، فالفهم والتفكر شيء، ومعرفة التلاوة شيء آخر، والتدبرات مهمة المفسر لا المقرئ، وما زالت الأمة من سلفها حتى عصرها تفصل بين المجالين، وكان للتفسير رجاله وللإقراء رجاله. ومن جمع من العلماء بين الفنين، فهو يفرق بين المجلسين. وهذا لا يمنع المعلم من ذكر بعض الفوائد والأمالي، ولكن لا تطغى على الدرس القرآني، الذي هو تعلم قراءة القرآن كما أنزله الله على محمد ﷺ .
الثالث: الطالب: فلا بد أن يشعر أن هذه مادة مهمة، تحتاج إلى جهد، وفيها رسوب ونجاح، وهناك استسهال من الطلاب وأولياء الأمور، ويأتي بعض أولياء الأمور يشكي ضعف درجات ابنه، واللوم على المعلم لأنه لم يعطِ الطالب الدرجة، ويتفاجأ أكثر إذا عَلم أن الخصم ليس في الحفظ إنما في التلاوة! ويقول عبارته المشهورة: (عاد القرآن!) فإذا أشخصت بصري فيه مستغربا، استدرك: نحن نعلم أهمية القرآن وأنه أهم مادة …الخ. فقل لي بربك كيف يجتمعان؟ أهمية وعدم عناية؟!
ويضرُّ بالطالب تقطيع الحفظ، وتقليص المحفوظ في المرة الواحدة، وقد جربتُ هذا، وكان بعض المعلمين يشتكي من عدم حفظ الطلاب، ويحتج عليهم بالقدر الضئيل الذي يطلبه منهم، فحججته بهذا. وكنتُ أظن أن تقليص المحفوظ يعين الطالب، والصحيح أنه يُسلمه إلى ضيعة، وبإمكان الطالب –بمن فيهم طلاب الابتدائي- أن يحفظ نصف وجه في المرة الواحدة بكل سهولة.
ويشكر لوزارة التعليم حرصها على تأهيل معلمي القرآن، من خلال دورة مكثفة، تفرغ المعلم يوما في الأسبوع لمدة فصل دراسي كامل، يقدمها أحد المقرئين، بطريقة أهل الفن. يقول أحد من دخلها: دخلنا الدورة معلمين، فخرجنا منها طلابا! وذلك أنهم يعيدون تأهيل المعلم وتقويم قراءته وتعليمه مهارات لم تكن عنده: كإخراج الحرف من مخرجه، وعدم القراءة من الخيشوم، ونحو ذلك مما يكثر الخطأ فيه، وكل بالتطبيق العملي. وكان بعض المعلمين يستنكر ان يُعَلَّمَ القرآن وهو معلم للقرآن، فلما رأى الجد، وتبصر بالخلل، علم جلالة هذا العلم.
وخلاصة الأمر: لا يقول الدرس القرآني إلا بمعلم يجيد القراءة، وطالب يحسن الاستماع، ويطيل القراءة. وما عدا ذلك من الوسائل والتعليمية فمضيعة للوقت، والجهد، وأثرها محدود جداً على لسان الطالب.
واذكر أخيراً بأهمية الإخلاص واحتساب الأجر، ومهر باب الخيرية غال.
انتهى!

عبدالرحمن الصبيح